و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

لم يعد الخطر يطرق الأبواب ليلًا، بل صار يدخل البيوت في وضح النهار، عبر شاشة مضيئة، ولعبة ملوّنة، تُقدَّم للأطفال على أنها تسلية بريئة، بينما تخفي خلفها عالمًا مفتوحًا بلا أسوار ولا حراسة.

لم تكن لعبة «روبلوكس» يومًا مجرد لعبة إلكترونية، بل تحوّلت إلى مساحة افتراضية شاسعة، يدخلها الطفل وحيدًا، يتواصل فيها، ويتقمّص شخصيات، ويجوب عوالم لا تخضع في تفاصيلها الدقيقة لأي رقابة حقيقية، وهنا، لم يعد السؤال: هل نمنع اللعب؟ بل أصبح السؤال الأهم: من يحمي الطفل داخل هذا العالم؟

اللعب بلا حدود… عبء نفسي خفي

في «روبلوكس»، لا يضغط الطفل أزرارًا فقط، بل يتفاعل، ويتحدث مع غرباء، ويُستدرج أحيانًا إلى مساحات تتجاوز عمره ووعيه، ومع مرور الوقت، يتحوّل اللعب من متعة عابرة إلى تعلّق نفسي، ومن عالم خيالي إلى بديل عن الواقع.

الطفل، بطبيعته، لا يملك القدرة على التمييز بين المزاح والإيذاء، ولا بين الخيال والتوجيه الخاطئ، وهنا تتشكّل أخطر الإشكاليات: اضطراب في المفاهيم، تآكل للحدود، وتأثيرات نفسية لا تظهر فورًا، بل تتراكم بصمت.

بين الحرية والفوضى الرقمية

يرى البعض أن حجب اللعبة يمسّ حرية الترفيه، لكن الحقيقة أن الحرية الرقمية دون ضوابط لا تُعد حرية، بل فوضى، فالتكنولوجيا ليست شرًا في ذاتها، غير أن تركها دون تنظيم، خاصة حين يتعلّق الأمر بالأطفال، يجعلها ساحة مفتوحة للمخاطر.

قرار حجب «روبلوكس» لم يكن موقفًا ضد الألعاب الإلكترونية، ولا رفضًا للتطور، بل جاء بوصفه إجراءً وقائيًا، يضع سلامة النشء فوق اعتبارات التسلية غير المحسوبة.

رسالة أبعد من الحجب

يحمل القرار في مضمونه رسالة واضحة:

أن الطفولة ليست مساحة للتجربة، وأن الأمان النفسي لا يقل أهمية عن أي حق آخر، فالدولة حين تتدخل لتنظيم المحتوى، لا تصادر الحرية، بل تعيد رسم حدودها بما يضمن الحماية قبل وقوع الضرر.

غير أن الخطوة، رغم أهميتها، لا تكفي وحدها، فالمشكلة أعمق من لعبة، وأوسع من منصة واحدة، نحن أمام تحدٍّ رقمي يتطلب وعيًا أسريًا، ودورًا تعليميًا، وبدائل آمنة، لا تترك الطفل فريسة لشاشة بلا رقيب.

أحيانًا، تكون القرارات الأكثر صرامة هي الأكثر رحمة.

وحجب لعبة «روبلوكس» في مصر لا يمكن قراءته باعتباره انتصارًا للمنع، بل محاولة جادة لحماية ما تبقّى من براءة في زمن صار فيه الخطر متنكرًا في هيئة لعبة.

فحين يصبح اللعب مهدِّدًا،

يصبح التدخل… واجبًا.

تم نسخ الرابط