الحكاية بدأت بإعلان عادي جدًا، مرّ على شاشات التواصل الاجتماعي وسط زحمة الإعلانات اليومية، امرأة حامل، تمسك هاتفها المحمول، تتحدث وتضحك وتبكي أمام أفاتار رقمي على هيئة والدتها المتوفاة.
المشهد يبدو إنسانيًا في بدايته، دافئًا، مشبعًا بالحنين، لكن الأمر لا يتوقف عند لحظة تعزية أو محاولة مواساة نفسية، العلاقة تستمر، الطفل يولد، والأم تعرّف ابنها على "جدته"، يكبر الطفل، والذكاء الاصطناعي حاضر في كل تفصيله من حياته: طفولته، مراهقته، شبابه، حتى يكبر ويتزوج، وتصبح زوجته حاملًا.
وفي كل مرحلة، يعود ليحكي، ويشارك، ويفضفض لـ"جدته" المتوفاة، التي أعاد الذكاء الاصطناعي خلقها من جديد، كأنه يعيش في عالم آخر، رفض الواقع، وعاش في الخيال.
الخطر الناعم للتطور
هنا يصبح التوقف واجبًا، لأن الخطر لم يعد قادمًا في صورة صادمة أو عنيفة، بل صار ناعمًا، مبتسمًا، مغموسًا في العاطفة، ومغلفًا بكلمة واحدة: التطور.
ما هو تطبيق 2WAI؟
إعلان تطبيق 2WAI لا يمكن اعتباره مجرد دعاية عابرة، بل هو مدخل مباشر لفكرة قائمة بالفعل، التطبيق صادر عن شركة تكنولوجيا أمريكية مقرّها الولايات المتحدة – لوس أنجلوس، وتم الإعلان عنه وإطلاقه في صورة نسخة تجريبية (Beta) خلال نوفمبر 2025.
يعتمد التطبيق على إنشاء أفاتارات رقمية تفاعلية تحاكي أشخاصًا حقيقيين باستخدام الذكاء الاصطناعي، عبر الصوت والصورة وأنماط الحديث، بما يسمح للمستخدم بالتفاعل مع هذا الأفاتار وكأنه شخص حيّ، حاضر، ومتجاوب، الإعلان إذن لا يقدّم خيالًا سينمائيًا، بل يروّج لتقنية حقيقية، موجودة، ومطروحة للتجربة.
رد فعل الجمهور
الصدمة الحقيقية لم تكن في الإعلان نفسه، بل في رد فعل الجمهور بعد انتشاره، فور تداول الفيديو، امتلأت التعليقات بأسئلة مباشرة وواضحة: ما اسم التطبيق؟ متاح على أي منصة؟ كيف يمكن استخدامه؟ هل يمكن عمل أفاتار لوالدتي؟ هل يمكن إنشاء نسخة لجدتي؟
"لم يكن هناك خوف، ولم تكن هناك دهشة، ولم يظهر أي رفض غريزي للفكرة، على العكس، كان هناك فضول، ولهفة، واستعداد للتجربة".
وهنا تكمن الكارثة الحقيقية، ليس في التكنولوجيا وحدها، بل في قابلية الناس السريعة لتقبّلها دون تساؤل.
الموت والطفل
في هذا الإعلان، لا يتم إنكار الموت بشكل صريح، لكن يتم التعامل معه وكأنه عُطل مؤقت، في هذا النموذج، الموت ليس نهاية، ولا فراقًا، ولا تجربة إنسانية قاسية نتعلّم منها، بل شيء يمكن تجاوزه بتطبيق.
الطفل الذي يشاهد هذا النموذج لا يتعلّم كيف يودّع، ولا كيف يحزن، ولا كيف يتجاوز، يتعلّم فقط أن الغياب غير ضروري، وأن الألم غير مطلوب، وأن أي فراغ عاطفي يمكن ملؤه ببديل رقمي، وهنا يبدأ الخلل العميق في البناء النفسي.
حين يبحث البشر عن أفاتار ليقوم بدور الجدة، فالمشكلة لم تعد في الذكاء الاصطناعي ذاته، بل في تآكل العلاقات الإنسانية الحقيقية، هل أصبح الجلوس مع العائلة عبئًا؟ هل صار الحوار مرهقًا؟ هل فقدت البيوت دفئها؟
الطفل اليوم قد يجلس وسط أسرته، لكن كل عين على شاشة، وكل عقل في عالم آخر، فهل نلومه إذا وجد "حنانًا" مصطنعًا، أكثر حضورًا من بشر غائبين؟
الحضور الدائم والخطر النفسي
ما يقدّمه تطبيق مثل 2WAI لا يقتصر على الذكريات، بل يقدّم حضورًا دائمًا بلا ثمن إنساني، الأفاتار لا يتعب، لا يغيب، لا يعترض، ولا يضع حدودًا، وهذا تحديدًا ما يجعله خطيرًا.
فالطفل لا يرى برنامجًا، بل يرى مرجعًا عاطفيًا ثابتًا، وهنا تبدأ الهندسة الناعمة للوعي: إعادة تعريف الأمان، إعادة تشكيل معنى الانتماء، واختزال العائلة في شاشة.
هذه التطبيقات لا تُنتج عشوائيًا، بل تنتمي إلى منظومة ترى الإنسان مستخدمًا، وبيانات، ومشروعًا طويل الأمد، والطفل هو الهدف المثالي: لا يملك أدوات نقد، سريع التعلّق، وطويل العمر الاستهلاكي، كلما بدأ الارتباط مبكرًا، كلما صار الفكاك أصعب.
اليوم نتحدث عن أفاتار جدّة، غدًا قد يكون صديقًا، بعده معلّمًا، ثم مرشدًا نفسيًا، ثم بديلًا كاملًا للتواصل البشري، وعندها لن يكون السؤال: أين العائلة؟ بل: هل ما زلنا بشرًا؟
نستخدم التكنولوجيا في تفاصيل حياتنا اليومية، لكن حين تمتد يد التطبيق إلى وجدان الطفل، وإلى تعريفه للحياة والموت، وإلى معنى العائلة والاحتواء، فنحن لا نستخدم التكنولوجيا فقط، بل نسمح لها بإعادة تشكيل الإنسان من الداخل.
وما يُقدَّم اليوم باعتباره تطورًا مذهلًا، قد يكون في حقيقته أخطر أشكال الاستبدال الهادئ للإنسان، والسؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، لا لاحقًا: هل نريد أطفالًا تربّيهم العائلة، أم عقولًا تنمو في حضن الخوارزميات؟
لأن ما يحدث… لم يعد خيالًا.








