و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

كتب المستشار  احمد عبده ماهر رأياً يقول بأن التشهد في الصلاة يجب أن يكون قراءة الآية الكريمة من سورة آل عمران:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]

وهو بذلك يوافق رأي الدكتور أحمد صبحي منصور  شيخ القرآنيين (ومعه بعض الذين يتبعون نهجه في “القرآن وحده”)،

ان الأساس الذي يقومون عليه هو:

أن هذه الآية هي الشهادة العظمى على التوحيد، وتكرر فيها “لا إله إلا هو” مرتين، وتشمل شهادة الله نفسه والملائكة وأولي العلم ، كما يقولون أن الصلاة يجب أن تكون خالصة لذكر الله وحده وأن التحيات التقليدية (التحيات لله والصلوات والطيبات… إلخ) تشمل سلامًا على النبي ﷺ داخل الصلاة، وهذا – في نظرهم – يخالف إخلاص الدعاء والذكر لله وحده، مع الاستناد إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18] ، واخيرا ً قالوا أن القرآن لم يحدد صيغة محددة للتشهد بهذا اللفظ، فالأولى الالتزام بما ورد صراحة في القرآن.

لكن هذا الرأي لا يمثل الإجماع، ولا يتبعه جمهور أهل السنة والجماعة (الأشاعرة، الماتريدية، السلفية، وغيرهم)، ولا الشيعة، ولا الإباضية، ولا الزيدية ، وقد ذهب اهل المذاهب الفقهية المختلفة الي ان السبب الرئيسي هو ان التشهد المعروف (التحيات لله… أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله…) ثابت بالتواتر عن النبي ﷺ في أحاديث كثيرة صحيحة في البخاري ومسلم وغيرهما، منها روايات ابن مسعود، ابن عباس، أبي موسى الأشعري، وغيرهم .

 كما ان الصلاة لم تُفصَّل كيفيتها بالكامل في القرآن (مثل عدد الركعات ووصف الركوع والسجود، التشهد بالتفصيل)، بل جاءت مفصلة في السنة النبوية الصحيحة، وهذا منهج عام في الشريعة (القرآن يذكر الأمر بالصلاة، والسنة تبين كيفيتها) ، كما اكدوا على ان قراءة آية آل عمران جميلة جدًا كذكر وتذكير بالتوحيد، ولا حرج في الدعاء بها أو قراءتها في الصلاة، لكن جعلها بديلاً إلزاميًا عن التشهد الثابت يُعتبر مخالفًا للسنة المتواترة، ويُعدُّ في نظر أغلب العلماء خروجًا عن المأثور.

وقبل ان أناقش هذا الرأي بالنقل والعقل ، اوجه كلامي لكل من يتدبر في الدين واقول له الحذر الحذر فالله سبحانه وتعالى يقول وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ (3) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4) [سورة الحج] فيجب الحذر حتى لا يتخذ الإنسان إلهه هواه ويضل عن علم او جهل.

ولأثبات عوار هذا الرأي عندنا نقول وبالله التوفيق ان كتاب الله القرآن امرنا بالصلاة في مواضع كثيرة منها قوله سبحانه وتعالى (وَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ)[البقرة 48] ومنها قوله سبحانه وتعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) [النساء 103]ومنها قوله سبحانه وتعالى (إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) ]طه 14] ، وقوله سبحانه وتعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [الجمعة 9]والايات كثيرة في الأمر بإقامة الصلاة ، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يذكر تفصيل الصلاة وكيفيتها ومواعدها بشكل ليس فيه لبس او التباس.

وليس ذلك عن تقصير او تفريط - حاشا لله - فسبحانه وتعالى قال (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [الانعام 38] ولكنه سبحانه وتعالى اصدر الأمر وترك الفعل للرسول عليه افضل صلاة وأتم تسليم ، والسبب لو ان الله شرح لنا في القرآن وصف الصلاة فأننا سنكون امام معضلتين ، أولهما سيختلف المسلمين في ادائها باختلاف مفاهيم الكلمات طبقاً للمكان والزمان وهذا سيكون مدعاة للاختلاف والاقتتال والفشل وذهاب ريح المسلمين هذا من ناحية ومن ناحية اخرى قد يظن بعض المسلمين اقتصار العبادة على هذه المكتوبة فيقصر في الدعاء وهو اصل العبادة ومخها.

شرعة ومنهج

  لذلك جعل الله الأمر بالإجمال في القرآن وجعل التفصيل في فعل الرسول والذي لا يختلف على رؤيته اثنين ويتحقق مفهوم قوله سبحانه وتعالى ( لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة 48] فالشرعة هي النص القرآني والمنهاج اداء الرسول للأمر القرآني على النحو الذي أراده رب العالمين ، لان لو اخطأ الرسول في فهم الأمر فان الوحي جاهز للتصحيح فلا خلاف ولا اختلاف ، كما يتحقق بذلك الأمر القرآني  (وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) [المائدة 92] فتكون طاعة الله في الشرعة اي النص وطاعة الرسول في المنهاج اي الاداء.

ثم ان القول بتغيير صفة التشهد في الصلاة يفتح باب فتنة عظيمة فلماذا لا نغيير شكل الصلاة في القيام والركوع والسجود؟ ولماذا لا نغير نصاب الزكاة؟ وهكذا في كل العبادات التوقيفية ، فيضيع الدين تباعاً تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا. 

ولما كانت الصلاة على الهيئة التي ادى بها الرسول عليه الصلاة والسلام فإنها وصلتنا تواتراً عن الصحابة ثم التابعين فتابعوا التابعين الي يومنا هذا واتحدى من يقول انه تعلم الصلاة من مسندٍ او حديث ولكن كلنا تعلمناها من اهلنا الذين تعلموها من آبائهم وهكذا حتى نصل الي رسول الله ، وهكذا فعلت كل الامة حتى عندما اختلفوا واقتتلوا فيما بينهم لم يختلفوا على القرآن الذي تحاكموه في صفّين والصلاة التي كانت ترفع في المعسكرين.

ويؤكد صحة مذهبي هذا ان الصلاة من المناسك والمناسك تعلمها بالرؤية والمشاهدة ولنتدبر قوله سبحانه وتعالى (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) [البقرة 128] والشاهد قوله (وارنا مناسكنا) فتعلم المناسك بالرؤية لمنع الاختلاف وهذا دعاء إبراهيم وإسماعيل عندما رفعا قواعد البيت الحرام فكان سؤالهم عن كيفية الصلاة عنده (مناسكنا) ان طلبا مشاهدتها حتى لا يختلفا على ادائها. 

ونصل الي دليل عقلي ومنطقي ، عبر التاريخ كان كل ملك ول جبار يختار الطريقة التي يحيه بها اتباعه ، فمنهم من يلزمهم بالوقوف ، واخر يطلب الانحناء والركوع وثالث يطلب السجود بين يديه ، ونحن كمسلمين نصرف كل انواع التحيات لله بداية من رفع الأيدي بالتكبير الي الوقوف والركوع والسجود فتكون كل التحيات مجتمعة لله ، فمن المنطق ان نقول في ختام الصلاة (التحيات لله والصلوات والطيبات) ولما كان الرسول الذي علمنا ذلك فنقول (السلام عليك يا ايها النبي ورحمة الله وبركاته) سلاماً يحمل دعاءً بالرحمة والبركات على من علمنا كيف نصلي ، ثم نقول (السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) فكما دعونا للرسول ندعوا لانفسنا ولمن تبعه من الصالحين ، ثم نشهد فنقول (اشهد ان لا إله إلا الله واشهد ان محمدا رسول الله) وفي ذلك إقرار بعبادة الله على الشريعة التي أنزلها على عبده محمد عليه الصلاة والسلام ، فتكون التشهد على هذه الحال إقرار بالعبرة من الصلاة وهي تصريف العبادة بما فيها من تحيات لله وحده وتاكيد على وحدانية الخالق سبحانه وتعالى. 

اما الصلاة الإبراهيمية ، والتي يفهمها احمد منصور واحمد عبده على انها ذكر لغير الله فلست ادري اهو جهل باللغة ام بالدعاء؟ لان هذه الصيغة من الصلاة الإبراهيمية ليست ذكراً لغير الله ولكنها دعاء لله ، فنحن نطلب من الله الصلاة على محمد وعلى آل محمد كما صلى على ابراهيم وعلى آل ابراهيم .

 فالدعاء والطلب من الله وليس من محمد أو ابراهيم، ولو كان مجرد ذكر اسم شخص غير الله ممنوع في الصلاة ، لامتنع على المسلمين  ذكر الآيات القرآنية التي تحتوي على اسماء بشرية مثل قوله سبحانه وتعالى (ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا) وقوله (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ) وقوله (قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا) ونحو ذلك كثير ، وطبقاً لمنطقهما ومن وافقهما في هذه الايات اسماء بشر فتكون ذكراً لغير الله وفي هذا القول عظيم جهل باللغة وعظيم غباء بفهم العبادة ومدلولها

وأخيراً فان الأمر بالصلاة جائنا في القرآن ، وكيفيتها ومواقيتها وما يقال فيها من تعليم الرسول عليه الصلاة والسلام ، ومن يقول بغير ذلك لا يكون مجدداً أو مفكراً ولكن مخرباً يفتح باباً من أبواب الشيطان ، ما اريد إلا الإصلاح وما كتبت إلا تقوى لله ، فان أصبت فالحمدلله وان اخطأت فمني ومن الشيطان.

 والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل

تم نسخ الرابط