في عام 1995 أنتجت الولايات المتحدة الأمريكية مسلسلا جذب لمشاهدته ومتابعته جميع الأعمار والأجناس، حتى أن الكبار والصغار لم يتركوا حلقة واحدة دون مشاهدتها، وكانت فئة المراهقين هي الأكثر ارتباطا بالمسلسل ومتابعته على الإطلاق، وذلك لأن الولايات المتحدة حشدت لهذا المسلسل مزيج جاذب بطبيعته، حتى أنها أنتجت منه ستة أجزاء بعدد 111 حلقة، وقد تم عرض الجزء الأول منه في يناير 1995 والسادس فى نوفمبر 1999.
ويرجع سبب ارتباط المشاهدين بهذا المسلسل إلى ذلك المزيج الذى ربط بين الدراما والأكشن، والمغامرات والفنتازيا، فضلا عما أتى به من مشاهد وقصص رومانسية. وقد حمل هذا المسلسل عنوان: "هِرقُليس .. رحلات أسطورية" "Hercules, The Legendary Journeys" بطولة كيفين سوربو "Kevi Sorbo"، وهذا الممثل الامريكى في عام 2021 كان من أكثر الداعمين للرئيس الامريكى "دونالد ترامب"، والمنتهية ولايته الأولى آنذاك، ولقد دافع "كيفين" عن مؤيدى "ترامب"، الذين اقتحموا مبنى الكونجرس الأمريكي، ووصفهم بأنهم ثائرون ضد الفاشية.
وتم عرض مسلسل هِرقُليس بالتلفزيون المصري في يناير 1995، وأثناء رئاسة "بيل كلينتون" للولايات المتحدة الأمريكية، وفى هذا المسلسل، الذى اعتمد عنوانه على أسم شخصية أسطورية يونانية، وهو هِرقُليس، الذى ناصبته "هيرا" زوجة أبيه، العداء، وحاولت أكثر من مرة تدبير حادثة لقتله، ولكنه كان ينجو كل مرة منها، وعندما صار شابًا، وضعته في خدمة أحد الملوك اليونانيين، والذى كان يُكلّفه بأداء مهام جسيمة، لا يستطيع أحد البشر العاديين أداؤها، حتى قام بإنجاز أثنى عشر عملا عظيمًا. وانتهت حياته في الاساطير اليونانية برفعه لمصاف الآلهة؛ لما أتى به من أعمال صالحة استوجبت تأليهه بعد مماته.
وفى مسلسل "هِرقُليس"، كان البطل الامريكى يتنقل بين ربوع العالم، وفى كل حلقة يبادر بتقديم النجدة والمساعدة لطالبيها، أيا كانت انتماءاتهم السياسية، الدينية، والعرقية، وبالطبع الجغرافية، فكان يساعد بشر مسلمين ومسيحيين وبوذيين، وحتى هؤلاء ممن لا يؤمنون بإله. ولذلك كنا نجده في كل حلقة يساند ناس من العرب باليمن أو العراق، أو حتى بتركيا، وأخرين أوربيين، وأفارقة وأسيويين؛ وذلك إما بغرض تخليصهم من شيء غريب يُخيفهم ويُسبب لهم الرعب، وينشر بينهم الفساد والأمراض، أو المبادرة بتخليصهم من حاكم أو أمير مستبد طاغ فاسد.
التعطش للحرب
وكان غرض المسلسل آنذاك، هو تقديم صورة جديدة إيجابية عن الشخص الأمريكي، وذلك بغرض تنقية صورته مما علق بها من سفك الدماء والتعطش للحروب، واستعمار أرض الغير، وقتل سكان البلاد الأصليون، فأمريكى فترة التسعينيات هو الإنسان الأمريكي الطاهر النقى، والذى يتمتع بإنسانية طاغية، وهو دائمًا مُبادر لمساعدة الغير، دون النظر لعرقه ونسبه وأصله وديانته وجغرافيته.
وها هو "دونالد ترامب"، وبعد مرور أكثر من ثلاثين عام على عرض أحداث مسلس "هِرقُليس"، يُعيد أحداث المسلسل مرة أخرى، ولكنه لم يُعيد تصويره، أو الاتيان ببطل جديد، فهو نفسه بطل المسلسل، فهو نفسه هِرقُليس العصر.
ففي مشهد بطولى مليىء بالعجرفة وغطرسة القوة، وأمام كاميرات العالم الناقلة للمؤتمر الصحفى صباح يوم السبت، الموافق 3/1/2026 وهو الصباح التالى لليلة القبض على "نيكولاس مادورو" رئيس دولة فنزويلا الحرة وذات السيادة، والتي تقع بقارة أمريكا الجنوبية. يعلن "ترامب" أن جيشه قد ألقى القبض على "مادورو وزوجته"، وأنهما تم اقتيادهما إلى متن إحدى حاملات الطائرات الامريكية، تمهيدًا لنقلهما إلى أمريكا؛ من أجل محاكمتهما.
في هذا اليوم، وقف "دونالد ترامب" ومن خلفه مستشاريه وبعض من وزرائه، وكان منهم وزير خارجيته ووزير الحرب ورئيس الأركان، وجميعهم وبلا استثناء، يزهون بانتصارهم، في عجرفة وكبرياء وغطرسة، واستعراض قوة غير محدود، ويعلنون للعالم أجمع، مدى قُدرة أمريكا على الوصول لأى مكان في العالم، وذلك بما لديهم من قُدرة استخباراتية وحربية عظيمة، وعِتاد قتالي متنوع، بين بحري وجوي، يشمل مدفعية ودبابات وطائرات وحاملات طائرات، وصواريخ وقنابل، وأيضًا جنودًا، يصل عددها إلى الألاف. فأمريكا لديها القُدرة على إنهاء عصر أى حاكم، في أي مكان من العالم، واستبداله بما يرونه مناسبا لسُدة الحكم، وتلك رسائل ليست مُبطّنة، ولكنها جلية وصريحة، لأنظمة حكم إيران وكوبا والمكسيك، فأمريكا إذا قالت فعلت، وإذا طمعت استولت. وحذار لمن يناوئها أو يرفض مقترحاتها، فالمصير معلوم مثل "مادوروا"، سوف يصلون لغرفة نومه، ويقتدونه مُكبلا، ويحاكمونه ببلادهم، وقد يعدمونه.
فالرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" هو "هِرقُليس" العصر، ولكنه في ثوب الغطرسة والكبرياء والطمع الشرة اللامحدود، وهو ليس بطل من عالم الأساطير ولكنه من واقع كئيب قميء.
