بسبب نزيف الهجرة
الاستعانة بـ«البيطريين» لسد عجز «البشريين» يثير الجدل.. وأطباء: حسنوا أوضاعهم أولا
فجر الطبيب البيطري شهاب الدين عبد الحميد، رئيس جمعية الرفق بالحيوان في القاهرة، حالة كبيرة من الجدل، بعد اقتراحه بالاستعانة بالأطباء البيطريين لسد العجز في الأطباء البشريين، وذلك بعد استكمال تأهيل البيطريين في بعض المواد الدراسية، للسماح لهم بالعمل في المجال الطبي البشري، في الوقت الذي تعاني فيه مصر من فجوة في أعداد الأطباء نتيجة هجرة أعداد منهم إلى الخارج.
ودافع الطبيب البيطري عن مقترحه مستندا إلى ما وصفه بتشابه بعض العلوم التي يدرسها طلاب الطب البشري والبيطري، مشيرا إلى أن الطبيب البيطري يدرس حوالي 50% مما يدرسه الطبيب البشري، واقترح أن يستكمل الأطباء البيطريين باقي المواد على مدار فترة زمنية محددة تصل إلى عامين لتأهيلهم للعمل في القطاع الطبي البشري.
وقال إن ذلك الاقتراح سيساعد في الاستفادة من أعداد كبيرة من الأطباء البيطريين، خاصة في المناطق التي تشهد نقصا في أعداد الأطباء البشريين، لافتا إلى أن مصر تواجه فراغا في أعداد الأطباء البشريين يصل إلى نحو 40 بالمئة، مرجعاً ذلك بصورة أساسية إلى هجرة الأطباء، مقابل وجود فائض في أعداد الأطباء البيطريين، على حد قوله.
من جانبه، يرى الدكتور محمد البسيوني، طبيب بشري، إنه لا يمكن استبدال الطبيب البشري بالبيطري، وأن الحل في معالجة أسباب هجرة الأطباء وتحسين ظروف العمل.
وأكد "البسيوني" لـ «الصفحة الأولى» أن لكل مجال طبي تخصصه المستقل الذي لا يمكن التخلي عنه، وأن الطب البيطري مختص بالتعامل مع الحيوانات، بينما يختص الطب البشري بالتعامل مع الإنسان، وهو ما برر إنشاء كليات مستقلة لكل منهما.
وأشار إلى أنه رغم وجود تشابه في بعض المناهج أو الدراسات العامة، إلا أن الاختلاف في التطبيق يبقي الفارق كبيرا، ولا يسمح بأي حال من الأحوال بأن يحل الطبيب البيطري محل الطبيب البشري.
وأضاف أن سد العجز في القطاع الطبي لا يكون بتكليف غير المختصين، بل يبدأ من دراسة الأسباب الحقيقية وراء النقص وهجرة الأطباء البشريين للعمل بالخارج، مشددا على أن معالجة هذا الملف تتطلب تحسين ظروف العمل وزيادة المرتبات، مؤكداً أن إصلاح بيئة العمل الطبي هي الخطوة الأجدى والأصوب بدلا من الاستعانة بغير الأطباء البشريين في تقديم الرعاية الصحية للبشر.
أما الدكتور محمد سعد، أخصائي طب وجراحة العيون، فيرى أن مشكلة الأطباء في مصر ليست في العدد، بل في بيئة العمل الطاردة، وأن الحقائق والواقع الميداني تؤكد أن أزمة القطاع الصحي في مصر ليست في أعداد الخريجين، وإنما تتعلق بالأساس ببيئة وظروف العمل الطاردة.
وأوضح "سعد" لـ «الصفحة الأولى» أن أبرز مشاكل الأطباء البشريين في مصر تتلخص في: ضعف الأجور ونقص فرص التدريب المتاح للأطباء، والاعتداء المستمر على الأطباء والطواقم الطبية في معظم المستشفيات، نتيجة نقص الإمكانيات والمستلزمات، خاصة في أقسام الطوارئ، وهو ما يُثير غضب المرضى وذويهم.
معاناة الأطباء
كما يعاني الكثير من الأطباء من سوء التعامل والتضييق الميداني، ومن التعالي والتعنت الصريح الذي يمارسه بعض المسؤولين زياراتهم الميدانية والتفتيشية للمستشفيات، والتعامل مع الأطباء ككبش فداء لقصور الإمكانيات والمستلزمات، ما يضاعف الضغط النفسي ويحط من كرامة الممارس الطبي.
وأشار إلى ضعف فرص الدراسات العليا وتكاليفها المرتفعة مقارنة بدخول الأطباء، حيث لم يُطبق حتى الآن القانون الصادر عام 2014 والذي ينص على تحمل جهة العمل مصاريف الدراسات العليا للطبيب، بل وتم إلغاء إجازات التفرغ اللازمة لاستكمال دراستي الماجستير والدكتوراه منذ جائحة كورونا وحتى الآن.
إضافة إلى تردي بيئة العمل وسوء حالة الاستراحات بالمستشفيات، بالتوازي مع زيادة ساعات العمل عن الحد المسموح به عالميا، مع غياب قانون عادل للمسؤولية الطبية، واستمرار محاسبة الأطباء وفقا لقانون العقوبات، ما نتج عنه إحجام واسع عن الممارسة الطبية خشية الغرامات الهائلة أو السجن حال حدوث المضاعفات الطبيعية الواردة طبيا.
ويأتي ذلك إضافة إلى سياسة تقليص عدد العاملين بالجهاز الإداري، والتي نتج عنها اتخاذ قرارات بتخفيض عدد المكلفين من القطاعات الطبية بداية من عام 2025، مع الاتجاه لإلغاء تكليف فئات كالصيادلة والعلاج الطبيعي، وهو ما بدأ فعليًا وتسبب في أزمة تكليف يعاني منها آلاف الخريجين.
وأكد "سعد" أن كل هذه الأسباب أدت إلى تراجع المعدلات الحقيقية لعدد الأطباء البشريين القائمين بالعمل حاليًا في مصر بمستشفيات وزارة الصحة وجميع الهيئات التابعة لها، والمستشفيات الجامعية الحكومية والخاصة والتابعة لجامعة الأزهر، إلى حوالي 82 ألف طبيب فقط من أصل 212.8 ألف طبيب تقريبًا؛ أي ما يعادل 38% فقط من القوة الأساسية للأطباء في مصر.
وهذا يعني أن المعدل الحقيقي هو طبيب واحد لكل 1162 مواطنًا، أو 8.6 طبيب لكل 10 آلاف مواطن، وهو أقل بكثير من النسب العالمية التي تُقدَّر بـ 23 طبيبًا لكل 10 آلاف مواطن.
وبحسب بيانات نقابة الأطباء، فقد استقال من وزارة الصحة 1,044 طبيبًا عام 2016، و2,549 طبيبًا عام 2017، و2,600 طبيب عام 2018، و3,500 طبيب عام 2019، و2,968 طبيبًا عام 2020، و4,127 طبيبًا عام 2021
وانتقد "سعد" اقتراح الاستعانة بالزملاء الأطباء البيطريين، مع كامل التقدير لدورهم الحيوي في المنظومة الصحية والبيئية، أو غيرهم، لسد العجز، مؤكدا أنه لن يقدم أي حل حقيقي، وهي اقتراحات تشبه تصريح الدكتور مصطفى مدبولي رئيس الوزراء بأنه "لا توجد مشكلة في أن يهاجر7 أو 8 آلاف طبيب كل سنة ليجلبوا عملة صعبة، طالما أن كليات الطب التي كانت تخرج 9 آلاف طالب، أصبحت تخرج 15 ألفًا حاليًا، وسينتهي بها المطاف لـ 29 ألف خريج بعد ست سنوات".








