مها عبدالناصر: العلاج بالمحافظات الكبرى فقط
دراسة صادمة: الاكتئاب يضرب 43.7% من المصريين و25% يعانون من اضطرابات نفسية
كشفت نتائج المسح القومي للصحة النفسية، عن مفاجآت وأرقام صادمة تستحق الاهتمام، بعدما تبين أن حوالي 25% من المصريين يعانون من اضطرابات نفسية، كما أن اضطرابات المزاج وتحديدا الاكتئاب، هي الأكثر انتشارا بنسبة 43.7%.
والبحث أجرته وحدة الأبحاث بالأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، تحت رعاية وزارة الصحة والسكان ومنظمة الصحة العالمية، وبمشاركة 250 باحث، وإشراف 20 طبيب نفسي، وتم فيه مسح عينة ضخمة جدا شملت 25 ألف أسرة تقريبا في الريف والمدينة، ومن مختلف الفئات الاجتماعية.
وكشفت الدراسة عن عدد من النتائج الهامة المتعلقة بمعدل انتشار الأمراض النفسية في مصر، أولها أن انتشار الاضطرابات النفسية على مدار 12 شهرا في العينة التي تم فحصها ما يقرب من 1 من كل 4 أشخاص من المفحوصينن أي 25%.
كما أن الاضطرابات الأكثر انتشارا هي اضطرابات المزاج "اضطرابات الاكتئاب على وجه التحديد"، بنسبة 43.7% واضطرابات تعاطي المخدرات، 30.1%، وظهرت نتائج هذه الدراسة أقل من النتائج حول تواتر الاضطرابات النفسية في المجتمع التي تم الكشف عنها في معظم الدراسات في جميع أنحاء العالم، كما أنها تختلف عن الدراسات المحلية الأخرى، وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية حيث اضطرابات القلق بما في ذلك الرهاب هي الاضطرابات الأكثر انتشارا.
ولكن اللافت أن هذه النتائج تتناقض مع نسبة الأشخاص الذين يعانون من اضطراب نفسي والذين يتلقون العلاج لحالتهم حيث إن نسبتهم منخفضة جدا (0.4 %).
كما أظهر البحث أن انتشار الاضطرابات النفسية أكثر في المناطق الريفية من المناطق الحضرية، وهو ما يشير إلى الحاجة لتوجيه تخطيط الخدمات النفسية إلى المناطق الريفية، كما تشير هذه الدراسة بوضوح إلى ارتفاع معدل انتشار الاضطرابات النفسية في المنيا وهي واحدة من أكبر محافظات صعيد مصر.
وبما أن غالبية الاضطرابات النفسية تظهر في شكل اضطرابات مزاجية، ينبغي أن يتم تطوير خدمات الصحة النفسية لتكون على اتصال وثيق من نظام الرعاية الصحية الأولية، بالإضافة إلى أهمية تدريب أطباء الرعاية الأولية.
كما حذرت الدراسة من انتشار تعاطي المخدرات بنسبة 2%، الذي يشبه مرة أخرى نتائج البحث القومي للإدمان ويوضح أيضا أهمية زيادة الاهتمام بتخطيط خدمات علاج الإدمان.
ولفتت الدراسة إلى أن العلاقة بين المتغيرات الديموغرافية والاضطرابات النفسية في هذه الدراسة ليست واضحة، وكان هناك اختلاف كبير في توزيع المرض النفسي بين الجنسين ومع ذلك، فإن الاختلافات لم تكن واضحة بين المتزوجين وغير المتزوجين، ويبدو أن الزواج ليس عاملاً وقائياً ضد الاضطرابات النفسية كما كان معتقدا في الدراسات السابقة واعتبر الوضع الاجتماعي والاقتصادي أحد عوامل الخطر لحدوث الاضطرابات النفسية التي هي أكثر انتشارا في المجتمعات الاجتماعية والاقتصادية المصنفة منخفضة جدا ومنخفضة. وقد تكون الأمراض النفسية أكثر ظهوراً في فئة العمال غير المهرة في مصر. وتشير هذه النتيجة إلى أن عدم وجود مهنة محددة يرتبط بمزيد من المعاناة الصحية النفسية. ولا يزال اتجاه السببية في احتياج للتوضيح في الدراسات المقبلة.
وبدراسة عوامل المخاطر الأخرى، كشفت الدراسة عن أن وجود تاريخ عائلي للاضطرابات النفسية هو واحد من أكثر العوامل توافقاً مع المرض النفسي، في حين أن ممارسة الأنشطة الاجتماعية يرتبط بشكل كبير مع انخفاض انتشار الأمراض النفسية، وهذا يدل على أهمية إدراج الأنشطة الاجتماعية والتدريب، مع تأكيد أهمية العلاجات النفسية، إلى جانب العلاج الدوائي في بناء المهارات وتقليل التعرض للاضطرابات النفسية.
الأمراض النفسية
كما ترتبط زيادة متوسط العمر ارتباطا كبيرا بالأمراض النفسية. وهي حقيقة تزيد من أهمية دراسة كبار السن والمجموعات المسنة في مصر من أجل الوقوف على الاضطرابات النفسية المنتشرة بينهم وما يرتبط بها من عوامل.
من جانبها، تقدمت النائبة الدكتورة مها عبد الناصر، عضو مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الإجتماعي، بسؤال برلماني وجهته إلى رئيس مجلس الوزراء، ووزير الصحة والسكان، حول خطة الحكومة للتعامل مع نتائج المسح القومي للصحة النفسية وارتفاع تكلفة العلاج النفسي وضعف إتاحة خدمات الصحة النفسية في العديد من المحافظات.
ووجهت عضو مجلس النواب، بالشكر إلى وزارة الصحة والسكان ومنظمة الصحة العالمية على إعداد وإصدار المسح القومي للصحة النفسية، والذي كان أحدث إصداراته عام 2023، والذي كشف عن مؤشرات بالغة الأهمية تستوجب تحركًا حكوميًا عاجلًا للتعامل معها وتحويل نتائجها إلى سياسات وبرامج تنفيذية على أرض الواقع.
وحذرت "عبد الناصر" من أن الأرقام الواردة في البحث تعني أننا أمام ملايين المواطنين الذين يحتاجون إلى خدمات دعم وعلاج نفسي بشكل مباشر أو غير مباشر، وهو ما يفرض تساؤلًا مشروعًا حول مدى جاهزية الحكومة للتعامل مع هذا الحجم من الاحتياجات النفسية والعلاجية.
ولفتت إلى ان المواطن المصري لا يواجه فقط تحدي الإصابة بالاضطرابات النفسية، وإنما يواجه أيضًا تحديًا آخر لا يقل خطورة يتمثل في صعوبة الحصول على العلاج نفسه، لأن تكلفة الكشف النفسي والجلسات العلاجية أصبحت مرتفعة بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت المتابعة الدورية والأدوية النفسية تمثل عبئًا ماليًا لا يستطيع تحمله كثير من المواطنين، خاصة من محدودي ومتوسطي الدخل.
وكشفت عضو مجلس النواب عن أزمة حقيقية، خاصة بالتوزيع الجغرافي لخدمات الصحة النفسية، حيث تتركز المستشفيات والعيادات والأطباء النفسيون في عدد محدود من المحافظات الكبرى، بينما تعاني محافظات عديدة، خاصة في الصعيد والمناطق الريفية، من نقص شديد في خدمات الصحة النفسية، كما أن بعض المراكز والقرى لا تتوافر بها أي خدمات متخصصة على الإطلاق، الأمر الذي يضطر المرضى إلى السفر لمسافات طويلة أو التخلي عن العلاج بالكامل.
كما لا تتجاوز نسبة من يتلقون العلاج النفسي نحو 0.4% فقط من إجمالي المصابين، أي ما يقرب من 150 ألف مريض فقط، وهو ما يكشف حجم الفجوة الضخمة بين الاحتياج الفعلي للخدمة وبين ما يصل للمواطنين على أرض الواقع.
وطالبت عضو مجلس النواب، الحكومة، بتوضيح الخطة التنفيذية التي أعدتها وزارة الصحة والسكان للتعامل مع نتائج المسح القومي للصحة النفسية المُشار إليه، والبرامج والسياسات التي سيتم تنفيذها لتحويل نتائج هذا المسح إلى إجراءات عملية قابلة للقياس والمتابعة، والكشف عن العدد الحالي لمستشفيات الصحة النفسية والعيادات النفسية الحكومية ووحدات الدعم النفسي على مستوى الجمهورية موزعة حسب المحافظات، والمحافظات والمراكز التي تعاني من نقص أو غياب هذه الخدمات، وما خطة الحكومة للتوسع فيها خلال السنوات المقبلة.
وطالبت الحكومة أيضا بالكشف عن الاجراءات التي تنوي اتخاذها لخفض تكلفة العلاج النفسي والجلسات العلاجية والأدوية النفسية، وزيادة تغطيتها ضمن منظومة التأمين الصحي، بما يضمن وصول الخدمة إلى محدودي ومتوسطي الدخل، والكشف عن حجم الإنفاق الحكومي الحالي على خدمات الصحة النفسية، وما نسبته من إجمالي الإنفاق الصحي، وهل توجد خطة لزيادة هذه المخصصات بما يتناسب مع حجم المؤشرات التي كشف عنها المسح القومي للصحة النفسية، والإجراءات التي تتخذها الحكومة لمواجهة الوصم المجتمعي المرتبط بالأمراض النفسية، ونشر الوعي بأهمية العلاج النفسي والتشخيص المبكر، ودمج خدمات الدعم النفسي داخل المدارس والجامعات ووحدات الرعاية الصحية الأولية.








