فصل ودمج وإلغاء
محاكم الأسرة.. من عمامة «الشرع والمجالس الملية» إلى الرقمنة والدعاوى الإلكترونية
شهد النظام القضائي المصري وخاصة المحاكم المختصة بقضايا الأسرة والأحوال الشخصية، العديد من التحولات على مدى تاريخه، من نظام "المحاكم الشرعية والمجالس الملية" القديم، ثم مرحلة دمج القضاء وتوحيده، ثم العودة إلى فصل المحاكم وتأسيس "محاكم الأسرة" المتخصصة لحل النزاعات بشكل أسرع.
المحاكم الشرعية والمجالس الملية قبل عام 1955
لفترات طويلة ممتدة منذ العصر العثماني وحتى منتصف القرن العشرين، لم يكن القضاء المصري موحدا في مسائل الأحوال الشخصية، وكان النظام السائد يقوم على التعددية القضائية والتشريعية حسب الديانة والمذهب، فكانت المحاكم الشرعية، التي كانت تتولى الفصل في منازعات الأحوال الشخصية والوقف للمسلمين، وتستمد أحكامها من الراجح في المذهب الحنفي.
أما المجالس الملية، فكانت محاكم خاصة لغير المسلمين، وتنقسم لعدة مجالس طائفية مثل الأقباط الأرثوذكس، الكاثوليك، الإنجيليين، وأيضا اليهود، وتفصل في المنازعات الخاصة بأبناء تلك الطوائف وفقا لشريعتهم.
إلغاء المحاكم الشرعية
وحدث التحول الأكبر في عهد ثورة 23 يوليو 1952، مع رغبة الدولة في تنظيم وتوحيد المؤسسة القضائية وفرض سيادة القانون الواحد، وذلك مع صدور القانون رقم 462 لسنة 1955 والذي قضى بإلغاء المحاكم الشرعية والمجالس الملية نهائيا، وإحالة جميع القضايا والنزاعات المنظورة أمامها إلى المحاكم الوطنية العادية أي المحاكم الابتدائية والجزئية.
وأصبحت المحاكم المدنية تخصص دوائر لنظر الأحوال الشخصية، مع بقاء القوانين الموضوعية المستمدة من الشريعة الإسلامية أو الشرائع المسيحية كما هي، أي دمج جهة الحكم مع الحفاظ على خصوصية الشريعة المطبقة.
ودشن هذا القانون مرحلة "القضاء الموحد"، وانتهى رسميًا زمن المجالس الطائفية والمحاكم الشرعية المستقلة، وبدأت الدوائر المدنية بالمحاكم الابتدائية والجزئية تدير ملفات الأسرة، ولكن هذا الدمج، رغم ميزته التنظيمية، خلق تكدسًا هائلًا داخل أروقة المحاكم العادية، حيث كانت قضايا الطلاق والنفقة تُنظر بجوار قضايا التعويضات والنزاعات التجارية والمدنية، مما أفقد قضايا الأسرة خصوصيتها.
محاكم الأسرة
مع مطلع الألفية الجديدة، وزيادة شكاوى المتقاضين من طول فترات التقاضي في دعاوى النفقات والطلاق والولاية التعليمية، أصبح الفصل المتخصص أمرًا حتميًا لا مفر منه، وبالفعل، أحدث المشرع المصري ثورة قضائية بصدور القانون رقم 10 لسنة 2004 بتأسيس محاكم الأسرة، وكان الهدف الأساسي هو فكرة "فصل" منازعات الأسرة تمامًا عن القضاء المدني والجنائي التقليدي، ووضع مظلة قضائية متخصصة تتسم بالسرعة والخصوصية.
شمل هذا النظام القضائي الجديد عدة آليات مبتكرة لم تكن موجودة من قبل، ومنها مكاتب توجيه واستشارات أسرية، تتبع وزارة العدل وتضم اختصاصيين اجتماعيين ونفسيين. وتعد خطوة "تسوية النزاع" أمام هذه المكاتب وجوبية قبل رفع الدعوى القضائية بـ 15 يومًا، بهدف محاولة الصلح الودي وتجنيب الأسرة أروقة المحاكم.
أما عن تشكيل الدائرة القضائية، فتتكون المحكمة من ثلاثة قضاة بالمحكمة الابتدائية، ويعاونهم خبيران أحدهما اجتماعي والآخر نفسي، على أن تكون أحدهما سيدة على الأقل، لتقديم تقارير استشارية للقاضي تشرح وضع الأسرة والأطفال بدقة.
كما تم إنشاء نيابة متخصصة لشئون الأسرة، تتولى رعاية مصالح القصر، وإبداء الرأي في قضايا الولاية على المال والنفس، ونص القانون أيضا على إنشاء ملف واحد للأسرة أمام المحكمة، تودع فيه جميع الدعاوى المرفوعة من أي من الزوجين أو الأولاد، لضمان عدم تشتت القضايا مثل أن تنظر محكمة في النفقة وتنظُر محكمة أخرى في الحضانة.
لم تتوقف حركة التغييرات عند قانون عام 2004 وإنشاء محاكم الأسرة، بل استمر المشرع في إدخال تعديلات جوهرية، ومن أبرزها: صندوق تأمين الأسرة وبنك ناصر الاجتماعي، وتم تفعيل دور الصندوق لضمان تنفيذ أحكام النفقات بحد أقصى تدرج عبر السنوات، لحماية الأمهات والأطفال من تعنت الآباء في دفع النفقات لحين تحصيلها من المحكوم عليه.
كما شهدت محاكم الأسرة طفرة في "الرقمنة والميكنة"، حيث استحدثت وزارة العدل نظام إقامة الدعاوى عن بُعد، وربط مكاتب التسوية بمنظومة إلكترونية موحدة لتسريع وتيرة الفصل في القضايا، وتقليل فترات انتظار الأحكام التي كانت تمتد لسنوات وتختصرها الآن لعدة أشهر فقط.








