و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

بسبب مبادئ القانون المدني

هل يسقط قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين في فخ عدم الدستورية؟

موقع الصفحة الأولى

حذر نبيل بسطا المحامى  من شبهة عدم دستورية قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين قبل إقراره، وذلك في حالة استخدام مبادئ القانون المدني كمصدر من مصادر القانون، مما يتعارض مع نص المادة الثالثة من الدستور.

وقال نبيل بسطا، المحامي بالنقض والإدارية العليا والدستورية العليا، إن شبهة عدم الدستورية تلاحق القانون الجديد قبل صدوره، متسائلًا: هل يجوز أن تكون مبادئ القانون المدني مصدرًا من مصادر هذا القانون؟ ففي ظل التصريحات الصحفية التي قيلت عن هذا القانون، فإن أغلبها رأت أنه لا غضاضة من استخدام القانون المدني لاقتباس تشريعات ومبادئ مدنية تنظم الزواج.

وأضاف أنه قد يرى البعض هذا الأمر بشيء من الانفتاح والتحضر في عدم تصلب الكنيسة بآراء محافظة، بل تنفتح على العالم، وتقدم فكرًا جديدًا معاصرًا، ولكن الحقيقة أن المادة الثالثة من الدستور قد أغلقت هذا الجدل بنص صريح، حيث جاء في دستور عام 2014 الآتي: "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظِّمة لأحوالهم الشخصية، وشئونهم الدينية، واختيار قياداتهم الروحية".

ويلاحظ أن واضعي الدستور استخدموا أداة التعريف في "المصدر" وليس "مصدر" بما يفيد الاستغراق والقصر، وهذا لغلق باب الاجتهاد أمام أي تفسير قضائي أو فقهي باستخدام أي مصدر آخر لتنظيم أمور الأحوال الشخصية بالنسبة للمسيحيين المصريين.

غير أن هناك أمرًا آخر في غاية الخطورة، وهو غياب مفهوم (السر المقدس) عند القول بأن القانون المدني من ضمن مصادر هذا القانون، لأن لو كان القانون المدني منظمًا لأحوال الزواج، فربما بالتبعية تعلو أصوات في المستقبل بالمناداة بالزواج المدني، وجعل طقس الزواج طقسًا احتفاليًا تكميليًا يجوز التغاضي عنه كما يحدث في بعض الدول، وهو أمر يجعل الكنيسة بمنأى عن أحوال رعاياها وتنظيم أمور أسرهم.

وأشار "بسطا" إلى أن التطبيق العملي لقانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين في المحاكم بعد فترة ليست بالقليلة هو أساس التقييم، وما يصدر عنها من أحكام استنادًا إلى نصوص هذا القانون. ولكن ذلك لا يمنع من تقييم المؤشرات الأولية، فقد كانت كافة التعليقات مبالغة في قبول أو رفض المؤشرات الأولية لهذا القانون.

وأضاف أنه للأسف عندما قيم البعض ما ظهر من مؤشرات قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين، نسي البعض أو تناسى أن هذا القانون يتضافر في تطبيقه مع قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لما فيه من أحكام عامة تسري على جميع نزاعات الأسرة، ولذلك فعلى الجميع التروي وانتظار ما سينتج من ملاحظات إيجابية أو سلبية لا يمكن الوقوف عليها إلا من خلال التطبيق الفعلي والعملي من خلال المحاكم.

الأحوال الشخصية للمسيحيين

ولفت إلى أنه لا يوجد تقييم لمشكلة الأحوال الشخصية للمسيحيين حتى يتم معالجة الأمر تشريعيًا، وهو ما يجيب عن السؤال عن سبب صدور قانون الأحوال الشخصية الموحد للمسيحيين؟ حيث اتفق الفقه القانوني في أن التشريعات والنصوص القانونية ترتبط وجودًا وعدمًا بالمشكلات المجتمعية التي يعالجها هذا التشريع.

وهناك سؤال آخر يطرح نفسه، وهو هل لائحة 1938 وتعديلاتها عام 2008 عجزت عن معالجة النزاعات الزوجية الموجودة لكي نلجأ إلى تشريع جديد؟ ولكي تكون الإجابة شافية، فلا بد من ظهور إحصائيات عن عدد قضايا الأسرة التي تخص المسيحيين المصريين بكل طوائفهم، ومقارنة هذه الأرقام بتعداد المسيحيين المصريين.

والحقيقة أن كلتا الإحصائيتين غير معلن عنهما، أو بالأحرى غير موجودتين بالمرة، فبالنسبة لعدد القضايا التي تخص المسيحيين فلم نجد أي جهة رسمية أو أي منظمة من المنظمات المهتمة بحقوق الطفل أو المرأة أعلنت عن أي عدد أو إحصائية لتلك القضايا.

والواقع العملي نجد أن تلك القضايا منظورة مع باقي القضايا التي تخص المسلمين في ذات الجلسة، وينظرها نفس القاضي، دون تخصيص دائرة أو قاضٍ محدد لنظر تلك القضايا.

أما الإحصائية الثانية، فهي غير موجودة من الأساس؛ لأن الاتجاه السائد من المؤسسات الدولية المعنية بحقوق الإنسان حظر أي إحصائيات للسكان تتم بناءً على لون أو عرق أو جنس أو دين، ومصر تبنت هذا الاتجاه الدولي منذ عقود، و"حسنًا فعلت".

إذن كلمة السر والقول الفصل في وجود إشكالية تكمن في الوقوف على نسبة وتناسب حجم هذه النزاعات بالمقارنة بالقاعدة الجماهيرية الخاصة المستهدفة لهذا القانون، فهل هذه البيانات متاحة؟ سؤال لا نجد له إجابة.

فهل الحل هو إصدار قانون؟ ومن التصريحات التي أدلى بها ممثلو الكنائس المشاركة في إعداد هذا القانون، هو "أن القانون يجب إصداره لأنه يزيل الغموض عن كل الأمور الخاصة بالزواج والخطبة والطلاق، ومهما كان ما يشوب هذا القانون من نواقص إلا أن إصداره أفضل بكثير من حالة الغموض والضبابية التي نعيشها"، وبغض النظر عن حالة التأكيد والإصرار بأنه لا توجد قوانين منظمة تنظم أمور الزواج قبل ذلك، فإن كان لازمًا أن يكون هناك نص قانوني جديد فالأفضل أن يكون هذا النص "لائحة" وليس "قانونًا".

لأن أمور الزواج بشكل خاص وأمور الكنيسة ورعاياها بشكل عام هي أمور دينية بحتة يجب أن تظل تحت سلطان وقيادة الرئاسة الدينية، مع الأخذ في الاعتبار خصوصية علاقة الزواج في المفهوم المسيحي بأنه "سر مقدس" والنواة الأولى للكنيسة الكبيرة.

فلا يجب أن يخرج تنظيم تلك الأمور خارج القيادة الكنسية بأي شكل من الأشكال، خصوصًا وأن جميع الشروحات الفقهية للقانون أكدت على أن الكنيسة المصرية ليست مرفقًا عامًا للدولة، ولا يُعتبر البابا والقيادات الكنسية موظفين عموميين، بل كيان له طبيعة قانونية خاصة.

أما القانون، فإصداره لن يكون إلا بأداة التشريع الرسمية، وهذا الأمر يجعل طلب الكنيسة في المستقبل بتعديل القانون أو الطلب بعدم إعمال هذا القانون جزئيًا أو كليًا يخضع للقبول والرفض من المجلس التشريعي الذي ينظر في طلب الكنيسة بذلك، فضلًا عن أن هذا الأمر مخالف للعديد والعديد من الأحكام القضائية التي أقرتها محكمة النقض والمحكمة الإدارية العليا بخصوصية المركز القانوني للكنيسة المصرية وأنها ليست "مرفقًا عامًا" وأن لها صلاحيتها في أن تدير أمورها بالشكل الذي تراه وفقًا لتعاليم الإنجيل طالما أنها لا تخالف الشرع العام.

تم نسخ الرابط