و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران والمتواصلة منذ أكثر من شهر، ولم تتوقف حتى كتابة هذه السطور، فإن الأسابيع المقبلة قد تمثل منعطفا خطيراً في الصراع بين القوي المتحاربة، ورغم ما يُثار عن جهود من باكستان لاستضافة مفاوضات بين واشنطن وطهران برعايتها مع مصر وتركيا والسعودية بهدف محاولة التوصل الي اتفاق لوضع نهاية للحرب، إلا أن هناك دروس وعبر يجب أن نستخلصها من هذا الصراع.

من بين هذه الدروس أنه في ظل تعرض دول الخليج لهجوم إيراني فإن القواعد الأمريكية الموجودة على أراضيها لم توقف أو تتصدي للمقذوفات والصواريخ والمسيرات الإيرانية، بل إن هذه القواعد تعرضت للهجوم فهي لم تمنع التهديد الإيراني وهذا كان أحد الأسباب في تواجدها بالخليج حتى أصبحت هذه القواعد عبئاً كبيراً على دول المنطقة.

ومع هذا خرج علينا الكاتب الصحافي السعودي الشهير "عبد الرحمن الراشد" في مقال طويل نسبياً بصحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية يدافع فيه عن هذه القواعد، قائلاً إنه عند قبول إيران بالشروط الأمريكية يصبح ساعتها الحديث عن إنهاء القواعد الأمريكية معقولا، ووفقا للكاتب السعودي إذا قبلت إيران قائمةُ الشروط الأمريكية الخمسةَ عشر، لوقف الحرب ومنها تخلي إيرانَ عن قدراتِها العسكرية الهجومية كبرامجَ ومنظوماتٍ ومخازنَ واعتماد آلية تنفيذية. 

القواعد الأمريكية

هنا لو قبلت إيران ذلك يصبح الحديثُ عن إنهاء القواعدِ الأمريكية معقولاً، لأنَّ هذه القواعد بحسب الصحافي السعودي بُنيت أساساً ضد التهديدات الإيرانية، رغم أكاذيب دعايةِ نظريات المؤامرة التي تزعم أنَّ للقواعد دوافعَ خفيَّة بالاستيلاء على الخليج والمنطقة، لافتا الي ان الثقة في نظامِ ايرانَ مفقودة، ومن الصعبِ بناء ثقة تسمح بالتخلّي عن القواعد الأمريكية على الأقل في الوقت المنظور، فالمشكلة وفقا للأستاذ عبد الرحمن الراشد ليست في القواعد العسكرية الأمريكية وإنما في إيران، وان إخلاء المنطقة من القواعد الأمريكية لن يحدث طالما ايران الحالية موجودة.

 وحسب قراءة وتشخيص ما جاء في المقال اطرح  هذه الأسئلة  لعلي اجد لها اجابة، ونسأل اذا كانت  قدرات ايران تمثل تهديدا لدول الخليج فماذا عن قدرات اسرائيل النووية المغتصبة للأرض العربية منذ عقود ؟، وماذا عن أطماع اسرائيل التوسعية في المنطقة ؟، وماذا عن حرب الابادة ضد أهل غزة والتي استمرت عامين استشهد فيها ما يقترب من 75 ألف شهيد معظمهم من الاطفال؟ وهل يري الكاتب السعودي ان إيران الخطر الوحيد في المنطقة؟

ليس دفاعا عن إيران، نحن ندين بشدة كل ما قامت به من هجوم على دول الخليج، ولكننا نؤكد أن أمريكا واسرائيل هما من بدأتا الهجوم على طهران واغتالتا المرشد الأعلى للجمهورية الاسلامية وقادة عسكريين، اضافة الي الهجوم على مدارس وجامعات ومقتل العديد من الطلاب ناهيك عن الهجوم على منشآت الطاقة ومصانع الحديد والصلب، ومنشآت حيوية أخري.

أدرى ان المشروع الفارسي يحمل في طياته خطورة على المنطقة كما أن المشروع الصهيوني الأمريكي أكثر خطورة على منطقتنا وهذا ما يجب ان يؤخذ في الحسبان لدي القادة في المنطقة، وعلينا ان نعترف بأن إســـرائــيل تخلق حــرباً لتنسينا حــربا أخري، وبالتالي نسينا حــروبنا وعروبتنا وهي تتمتع في وطننا العربي بما لا يجب أن تقوم به، نحن امام مشهد معقد متعدد الطبقات هناك صراع إقليمي، تنافس دولي، وحسابات داخلية لكل دولة. لكن غياب إطار جامع لهذه العناصر يحوّل التعقيد إلى ارتباك.

اللافت ان المخطط الإسرائيلي يستهدف جر دول المنطقة الي صراع مستمر مع ايران، فبحسب الأنباء الصادرة من تل أبيب ووفقا لتصريحات رئيس الوزراء" نتنياهو" إسرائيل تعمل على بناء تحالفات جديدة مع دول في المنطقة لمواجهة "التهديد الإيراني"، ونحن نحذر من الأقدام نحو هذه الخطوة والا تنخرط دول المنطقة في هذا المستنقع الذي يريده" نتنياهو" بل عليها أن تتحلي بالعقل والصبر، فهذه ليست حــربنا، انها حــرب أمريكا واســرائــيل علي إيــران وهذا الصراع بين اسرائيل وايران، فلماذا الالحاح بزج دول الخليج في هذا الصراع ؟ سينتهي الحال بان تنظر إســرائيل وأمريكا الي دول المنطقة وهي تشتبك مع ايــران! 

 ففي حالة تورط دول الخليج في هذا التحالف وهذه الحـ ـرب انها ترتكب بذلك خطيئة العمر وأتمني ألا تخطر في بال اي قائد عربي هذه الفكرة السوداوية، التي يريدها نتنياهو، قرار دول الخليج بالنأي عن نفسها في هذا الصراع العبثي رغم تعرضها لهجوم ايراني كان قرارا صائبا بامتياز، فمنع الانزلاق الي الحرب، وحفظ السلام رغم التصعيد، قرار عاقل وخيار صائب يثير الإعجاب والاهتمام.

يحتم المشهد الضبابي الحالي المخيم على الإقليم وقفة مع النفس وإعمال العقل والتفكير بعقلانية، وبرؤية صحيحة للمستقبل، مما يتطلب من دول الاقليم الإنصات الي صوت العقل في" القاهرة"، والانضمام للمبادرة التي تقوم بها مصر وباكستان وتركيا ودول اخري والدعوة الحقيقية لإيقاف هذه الحرب، فالواثق من نفسه يمضي تجاه السلام والتهدئة لإطفاء الحرائق في المنطقة، لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام.

نجحت دول الخليج في إفشال المخطط الأمريكي الإسرائيلي لجرها لتكون طرفا مباشراً في هذا الصراع حتى تتحمل هذه الدول كلفة الحرب مع إيران وتصبح حربًا إقليمية واسعة تتورط فيها دول الخليج، حيث كان يراد لها الانخراط في حرب ضد إيران حتى تضعف مواردها، وينشّط في الوقت ذاته سوق السلاح الغربي والذي حتما سيدفع دول المنطقة إلى طرق أبوابه لتغطية متطلبات الحرب، والأهم من ذلك هدم الأسس التي شكلت النهضة في هذه الدول.

تتجاوز شرارة الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران مجرد المواجهة العسكرية لترسم ملامح اشتباك جذري بين رؤيتين متناقضتين لمستقبل الإقليم، فإسرائيل تندفع نحو خيار استئصال هيكلي قد يترتب علية تحويل إيران الي نسخة مشوهه من النموذج السوري، أي دولة ممزقة تفتقد للسيادة وغارقة في اتون الفوضى وهذا اذا حدث يمثل خطورة علي دول المنطقة.

فالحسابات الإسرائيلية وفقا لمجلة "فورين بوليسي" تبدو أكثر رديكالية، فالمخططون في تل أبيب يسعون إلي تفكك الجمهورية الإيرانية ويرون أن هذا التفكك نتيجة مثالية يضمن غياب التهديد الوجودي الايراني لعقود، لذلك يسعي نتنياهو واعوانه الي تحويل أيران الي جغرافيا موزعة بين المليشيات والاعراق كما هو الحاصل في سوريا مما يخدم اهدافه القومية العليا  حتي لو كان الثمن غرق الاقليم في الفوضى.

الجبهة الداخلية الإيرانية

الواقع يؤكد لنا  ان رسم مصير الجمهورية الإسلامية يحدده تماسك  جبهتها الداخلية و ليس واشنطن وتل ابيب، فحتي الان رغم الهجوم الأمريكي  الاسرائيلي ضد ايران وما خلفه من دمار، إلا ان لهذه اللحظة  يمسك  جهاز الأمن الوطني الايراني  بزمام الأمور بقبضة حديدية في ظل غياب البديل المنظم، وعدم وجود مناطق محررة كإدلب السورية او حتي بنغازي الليبية.

لكن هذا التماسك القوي قد يواجه اعصارا قويا بمثابة اختبار عسير علي الاطراف ،فاذا نظرنا للخربطة الداخلية للجمهورية الإيرانية نلاحظ، وجود بعض التوترات العرقية في مناطق كردستان، وبلوشتان، والاهواز، فهذه المناطق قد تتحول الي وقود قابل للانفجار اذا حاولت القوي الخارجية  استثمار ورقة الأقليات علي غرار ما نشاهده الان في العراق، وسوريا.

  فالتفتت والانشقاق يبدا في بعض الاحيان من الهوامش قبل التهام المركز، في حالة فشل النموذجين العراقي والسوري فإن الاتجاه إلى نموذج ثالث، وهو الكوري الشمالي، وهذا النموذج يمثل خطورة لأنه يحول النظام في إيران الى نظام أكثر انغلاقا، وأكثر فتكا وقمعا بسبب العزلة الطويلة.

وإذا كان هناك أمل قريب في اتفاق لوقف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، هناك سؤال يطرحه بعض الكتاب، والمراقبين فهل هذا الاتفاق لوقف الحرب إذا بدأت مفاوضات ونجحت سيكون ثنائيا بين واشنطن وطهران ام انه يشمل ايضا تل ابيب؟ خاصة مع تصريحات نتنياهو الأخيرة من انه لا إطار زمني لإنهاء الحرب مع إيران وانه لديه بنك اهداف لم يفرغ منه بعد؟ هل تستمر اسرائيل في هجماتها ضد إيران رغم اتفاق وقف الحرب؟ خاصة وان الفضاء الايراني فارغ من اي قدرات دفاعية.

  الساعات القادمة تجيب على هذه التساؤلات

تم نسخ الرابط