صحابة على عرش مصر
«فلسطيني» والياً على مصر.. كيف واجه سعيد الأزدي تمرد المصريين في الفسطاط؟
برز اسم سعيد الأزدي والي مصر، في وقت كانت فيه الدولة الأموية تموج بالاضطرابات السياسية والتحولات الكبرى، حيث تم تعيين الشاب الفلسطيني واليا على واحدة من أهم ولايات الخلافة فى بداية العصر الأموي.
لم تكن فترة حكمه مجرد مرحلة إدارية عابرة، بل كانت انعكاساً لصراع القوى السياسية بين دمشق ومكة المكرمة، واختباراً لقدرة القيادات الشابة على الصمود أمام تمرد الأعيان ورياح التغيير.
وصل سعيد بن يزيد الأزدي إلى الفسطاط في مستهل شهر رمضان سنة 62 هجرية، مبعوثاً من قبل الخليفة يزيد بن معاوية ليخلف الوالي المخضرم مسلمة بن مخلد الأنصاري. ورغم كونه من أهل فلسطين، إلا أن اختياره جاء في وقت كانت فيه الدولة تحتاج إلى دماء جديدة للسيطرة على الأوضاع السياسية .
وعند قدومه، سجل التاريخ عبارة لافتة لأحد أعيان مصر، عمرو بن قزحم الخولاني، الذي قال متعجباً من صغر سنه : يغفر الله لأمير المؤمنين، أما كان فينا مئة شاب كلهم مثلك يولي علينا أحدهم؟، وهو ما عكس نوعاً من التحفظ على تعيين ولاة من خارج النسيج المصري آنذاك.
الفتنة الثانية
شهدت فترة سعيد الأزدي أحداثاً جساماً هزت أركان الخلافة الأموية، فبعد وفاة يزيد بن معاوية سنة 64 هجرية، دخلت الدولة في نفق مظلم عُرف تاريخياً بـ «الفتنة الثانية» التى ضربت الدولة الإسلامية. وفي مصر، بدأت الكفة تميل نحو دعوة عبد الله بن الزبير الذي أعلن نفسه خليفة في مكة المكرمة.
وتمثلت أبرز حوادث عصر ولاية سعيد الأزدي في ظهور «الخوارج» والمؤيدين لعبد الله بن الزبير داخل مصر، الذين وجدوا في غياب الحزم الأموي بعد وفاة يزيد بن معاوية فرصة لإعلان ولائهم للحجاز. لم يختر سعيد المواجهة العسكرية الدامية، بل فضل الاعتزال عندما أرسل ابن الزبير والياً من قبله وهو عبد الرحمن بن جحدم الفهري، ليغادر سعيد المشهد السياسي المصري هادئاً كما دخله، رافضا المواجهة.
ورغم أنه لم يكن من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإنما كان من التابعين، ورغم قصر مدة حكمه والتى امتدت لنحو عامين فى مصر، ترك سعيد الأزدي أثراً في التراث الديني، حيث يُنسب إليه فى كتب التراث رواية وصية نبوية عظيمة تدعو للحياء من الله عز وجل: أوصيك أن تستحي من الله كما تستحي من الرجل الصالح من قومك.
ويقول ابن يونس في كتابه تاريخ الغرباء: هو من أهل فلسطين، كان أميًرا على مصر ليزيد بن معاوية. روى عنه من أهل مصر أبو الخير مَرْثَد اليزني، ثم ساق، مِنْ طريق اللّيث، وكذلك الحسن بن سفيان من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير، عن سعيد بن يزيد ـــ أن رجلًا قال: يا رسول الله؛ أوْصني. قال: "أُوصِيك أَنْ تَسْتَحِي مِنَ الله كَمَا تَسْتَحِي رَجُلًا صَالِحًا مِنْ قَوْمِكَ". رواه ابْنُ أَبِي خَيْثَمَة، من طريق ابن لَهِيعَة، عن يزيد بن أبي الخير، عن سعيد بن فلان. وقال أَبُو عُمَر: زعم أبو الخير أنّ له صحبة، والَّذي رأينا من روايته فعن ابن عمر. انتهى. وذكر ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أنه اختلف فيه على عبدالحميد بن جعفر؛ فروَى بعضُهم ـــ يعني بالسّند ـــ عنه عن سعيد بن مَرْثد، عن ابن عم له، قال: قلت: يا رسول الله. وفي "المراسيل" لابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: كنا لا نَدْرِي له صحبة أو لا؛ فروى عنه عبد الحميد بن جعفر، عن أبي الخير، عن سعيد: بن يزيد رجل من الصّحابة ـــ حديث: "استَحْيِ مِنْ رَبِّكَ"، قال: فدلّنا على أنْ لا صحبة له؛ فعلى قوله يكون الصّواب فيما قاله أبو عُمر: فعن ابن عمرـــ تصحيفًا. وقد حكى أبُو عُمَر الْكِنْدِيُّ أنّ رؤساء أهل مصر لما أُمِّر عليهم قالوا: ما كان في زماننا شابّ مثله؛ فهذا يدل على أن لا صحبة له.)) الإصابة في تمييز الصحابة.
لقد كان سعيد الأزدي نموذجاً للوالي الذي حاول الحفاظ على استقرار مصر في زمن الفتنة وذروة العاصفة، لتظل ولايته فصلاً مثيراً من فصول التاريخ المصري، تجسد صراع الهوية والولاء في عصر التابعين.








