و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

صحابة على عرش مصر

مسلمة بن مخلد.. حكم إفريقيا من الفسطاط وشيد أول مئذنة في الإسلام

موقع الصفحة الأولى

مسلمة بن مخلد الأنصاري صحابي جليل، تولى إمارة مصر وبلاد المغرب في عهد معاوية بن أبي سفيان منذ عام 47هجرية _ 667 ميلادية واستمر فى الحكم حتى وفاته عام 682 ميلادية. وتميزت فترة حكمه التي دامت نحو 15 عاماً بالاستقرار، وشهدت توسعة مسجد عمرو بن العاص، وبناء أول مآذن فى البلاد، وكذلك بناء مقياس للنيل.
ويسجل التاريخ الإسلامي اسم الصحابي الجليل مسلمة بن مخلد الأنصاري بأحرف من نور كأحد أعظم ولاة مصر في العصر الأموي، فلم يكن مجرد حاكم عسكري، بل كان مهندساً للتطوير العمراني والإداري، وصاحب بصمة خالدة في العمارة الإسلامية لا تزال أصداؤها تتردد مع كل أذان عبر المآذن الشاهقة.
كانت المساجد في صدر الإسلام تخلو من المآذن، حتى جاءت ولاية مسلمة بن مخلد لتحدث ثورة في التصميم المعماري. بقرار تاريخي، أمر مسلمة ببناء أربع «مآذن» في زوايا جامع عمرو بن العاص بالفسطاط، لتكون مصر بذلك هي الحاضنة الأولى لهذا الابتكار المعماري الذي انتقل لاحقاً إلى مشارق الأرض ومغاربها.

وبحسب تاريخ العمارة، بدأت المآذن كضرورة وظيفية في مدينة الفسطاط عام 53 هجرية، حين أمر والي مصر مسلمة بن مخلد الأنصاري ببناء أربع صوامع مربعة في أركان جامع عمرو بن العاص، لتكون أول ظهور رسمي لهذا العنصر المعماري في تاريخ الإسلام. وقبل هذا الابتكار، كان الأذان يرفع من فوق أسطح البيوت المجاورة للمساجد أو أسوارها، فجاءت المئذنة لضمان وصول نداء الصلاة إلى كل أرجاء المدينة.
وتحول هذا الابتكار من مجرد برج وظيفي بسيط إلى رمز عالمي للهوية الإسلامية، حيث انتقلت الفكرة من مصر إلى المسجد الأموي بدمشق، ومنها إلى كافة بقاع الأرض. ومع مرور العصور، تطورت أشكالها من المربع التقليدي المتأثر بأبراج الحصون والكنائس القديمة، إلى الأشكال المثمنة والأسطوانية والحلزونية، لتتوج في العصر المملوكي بمصر بأروع التصاميم الهندسية التي جعلت من القاهرة مدينة الألف مئذنة.

عقيلة بني هاشم

أجمع المؤرخون الذين أرخوا لرحلة السيدة زينب بنت علي رضي الله عنها إلى مصر، أن الوالي مسلمة بن مخلد الأنصاري كان على رأس مستقبليها بمدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، وأظهر في إكرامها ما يليق بمكانة آل البيت.
خرج مسلمة بن مخلد الأنصاري في جمع كبير من أعيان مصر وجندها لاستقبال السيدة زينب عند دخولها الحدود المصرية، تعظيماً لقدرها ومواساة لها في مصابها الأليم بعد واقعة كربلاء، ولم يشأ مسلمة أن تنزل السيدة زينب في مكان عام، بل عرض عليها الإقامة في داره بمنطقة الحمراء القصوى «حي السيدة زينب حالياً»، فأخلى لها الدار وأقام هو في مكان آخر إجلالاً لها.
ويروى أنه خطب في الناس مرحباً بقدومها، وأمر بتقديم كل سبل الدعم والمواساة لمن معها من آل البيت. وبحسب المصادر التاريخية، مكثت السيدة زينب في ضيافته وتحت رعايته طوال فترة وجودها في مصر، والتي دامت قرابة عام حتى وفاتها في تلك الدار التي تحولت لاحقاً إلى ضريحها الشهير.
تميز عهد مسلمة بن مخلد الأنصاري بالاستقرار السياسي النادر؛ حيث حظي بثقة الخليفة معاوية بن أبي سفيان المطلقة، الذي منحه ولاية إفريقية «المغرب» إضافة إلى مصر، ليصبح أول حاكم يجمع له حكم البلدين خلال 15 عاماً، عمل على توسعة جامع عمرو بن العاص وتنظيم الدواوين، مما جعل مصر مركز ثقل سياسي واقتصادي في الدولة الأموية.
توفي مسلمة بن مخلد في الإسكندرية عام 62 هجرية، تاركاً وراءه إرثاً من التسامح الديني والتطور العمراني. ورغم رحيله، ظلت «مآذنه» قائمة كشاهد حي على عبقرية الإدارة المصرية في فجر الإسلام، وكرمز للهوية المعمارية التي ولدت على ضفاف النيل لتصبح أحد أبرز المعالم لدور العبادة الإسلامية حول العالم.

تم نسخ الرابط