و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

4 قضايا سابقة وأحكام تاريخية

القضاء الإداري يفتح ملف حظر الخمور وإغلاق البارات والملاهي الليلية في رمضان

موقع الصفحة الأولى

في مشهد قضائي يتكرر مع مطلع شهر رمضان من كل عام، تجددت المواجهة داخل محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة حول مشروعية قرارات وزارتى الداخلية والسياحة بحظر بيع الخمور وإغلاق الملاهي الليلية والبارات خلال الشهر الكريم. 
ففي جلسة 22 فبراير 2026، قررت محكمة القضاء الإداري تأجيل الدعوى رقم 41877 لسنة 79 قضائية إلى جلسة 27 يونيو 2026 لإتاحة الفرصة للجهات الإدارية لتقديم ردها على موضوع النزاع وما أثير من دفوع دستورية وتشريعية تتعلق بحدود السلطة التنظيمية ومدى جواز فرض حظر موسمي وتمييز وطني داخل منشآت استثناها القانون صراحة من الحظر العام.
لم تكن هذه الدعوى هي الأولى من نوعها، بل هي حلقة في سلسلة من النزاعات القانونية التي بدأت منذ عقود، حيث تستند الحكومة في قراراتها تاريخياً إلى القانون رقم 63 لسنة 1976، الذي يحظر تقديم الكحول في الأماكن العامة، لكنه استثنى المنشآت السياحية. ومنذ ذلك الحين، رُفعت دعاوى عديدة للطعن في "التعميم" الذي يشمل حتى الأماكن المستثناة خلال رمضان.
وشهدت أروقة محاكم القضاء الإداري محاولات من محامين ومنتجعين سياحيين لإلغاء القرارات الإدارية التي تصدرها وزارة السياحة سنوياً، وكانت الأحكام تؤيد قرارات الحكومة باعتبارها تدخل ضمن السلطة التنظيمية للوزير المختص للحفاظ على النظام العام خلال المناسبات الدينية.
كانت آخر الدعاوي أمام القضاء الإداري خلال مارس 2025، حيث طالبت دعوي مماثلة بوقف «الحظر الموسمي»، مشيرة إلى أن القانون لا يفرق بين رمضان وغيره بالنسبة للمنشآت المرخصة. وانتهت معظم هذه القضايا إما بـ الرفض لعدم الاختصاص أو بانتهاء «شرط المصلحة» بمرور شهر رمضان قبل صدور الحكم النهائي.
تستند الدعوى المقامة حالياً إلى أن قرارات الغلق تمثل تمييزاً وطنياً وتعدياً على الحريات الشخصية التي كفلها الدستور، فضلاً عن إضرارها بالاقتصاد السياحي، وطالب الطعن بإلغاء كافة الكتب الدورية التي تفرض قيوداً على المنشآت السياحية والفندقية خلال الأعياد الإسلامية وفى القلب منها شهر رمضان.
وأقام الدعوى هاني سامح المحامي ضد رئيس مجلس الوزراء ووزير السياحة ووزير الداخلية بصفتهم، مطالبًا بصفة مستعجلة وقف تنفيذ وإلغاء ما يصدر بمناسبة رمضان وغيرها من مناسبات دينية من قرارات وتعليمات تنفيذية وكتب دورية وحملات تفتيشية، بما تضمنته من حظر بيع وتناول المشروبات الكحولية للمصريين داخل المنشآت الفندقية والسياحية، وإغلاق البارات والكازينوهات والملاهي، ومنع الحفلات الغنائية والراقصة، مع ما يترتب على ذلك من آثار.

الوصاية الأخلاقية

وجاء في الدعوى أنه منذ سبعينات القرن الماضي، حين تسللت نزعات «التديين السياسي» إلى المجال التشريعي ثم إلى الإدارة، بدأت تتكرر ظاهرة القرارات الموسمية الفردية التي تُلبس القيود ثوب «التنظيم»، وهي في حقيقتها حظر واستثناء وتمييز لا سند له من نص تشريعي صريح. وأضافت الدعوى أن هذه القرارات تحولت إلى طقس إداري ثابت يتجدد كل عام، كأنها لا تخضع لمراجعة المشروعية ولا لرقابة التناسب، مما أدى إلى إخضاع منشآت استثناها المشرّع من الحظر العام لنظام الترخيص الخاص، وتحويلها إلى ساحات لتمييز وطني موسمي يُقيد المصري وحده ويضر بالاقتصاد.
وأوضحت الدعوى أن القانون رقم 63 لسنة 1979 وضع حظرًا عامًا على شرب الخمر، ثم استثنى الفنادق والمنشآت السياحية، بينما نص قانون المنشآت الفندقية والسياحية رقم 8 لسنة 2022 في المادة (23) على عدم تقديم الخمور إلا بترخيص خاص، وخصص المادة (24) لألعاب القمار لغير المصريين صراحة. واستنتجت الدعوى أنه حيثما أراد المشرّع التمييز نص عليه صراحة، وحيث سكت فلا محل لإنشاء تمييز بلائحي. وبناءً عليه، ترى الدعوى أن إعادة فرض حظر موسمي على المصريين بقرار إداري يمثل “تشريعًا مقنعًا” وتغولًا على اختصاص السلطة التشريعية وافتئاتًا على القواعد القانونية.
كما تناولت الدعوى أمام محكمة القضاء الإداري أثر القرارات الموسمية في الاقتصاد، مؤكدة أن السياحة أحد أعمدة الاقتصاد الوطني، وأن الحظر والغلق الموسمي يربكان المراكز القانونية ويقوضان استقرار بيئة الاستثمار ويؤثران على مصالح العمالة المرتبطة بالترفيه والخدمات الفندقية، كما أشار إلى أن منافسات سياحية دولية مثل دبي وإسطنبول وكوالالمبور لا تتبنى نمط الغلق الموسمي ذاته، بما يؤثر على قدرة القاهرة على جذب السياحة.
وتستند الدعوى أيضًا إلى آراء فقهية تاريخية، مستشهدة بمنهج أبي حنيفة وبعض فقهاء الكوفة في الأشربة، ونصوص التراث عن ابن حزم في «المحلى»، بهدف نفي فكرة «الإجماع الفقهي المطلق» الذي يُستخدم ذريعة لإنشاء حظر إداري عام، مؤكدة أن المرجع في القيود العامة هو التشريع والدستور، لا الإنشاء الإداري.
وفي سياق نقد فكرة "الحسبة" وتوسيع سلطة الوصاية الأخلاقية، استعرضت الدعوى وقائع تاريخية وفقهية تتعلق بالعبودية وأسواق الرقيق، لتوضح أن الدولة الحديثة قامت على تقليص سلطة الوصاية الاجتماعية وتكريس سيادة القانون وحقوق الإنسان، وأن تحويل الإدارة إلى سلطة "وعظية" تُميز بين المواطنين أو تُقيد النشاط الاقتصادي المرخص بقواعد موسمية عامة يخلط بين الضبط الإداري والمعايير القانونية.
وأشار أيضًا إلى أن الخديوي إسماعيل كان قد عزل شيخ الأزهر والمفتي حين عارضا تجريم العبودية والرق، معتبرًا أن الممارسات الدينية لا يمكن أن تُستخدم كأداة لتقييد القوانين الحديثة.

تم نسخ الرابط