تزايد خلال الساعات الماضية الحديث عن اقتراب واشنطن من اتخاذ قرار مهاجمة إيران، بعد وصول حاملة الطائرات "أبراهام لينكولن" لمنطقة الشرق الأوسط يوم الإثنين 26 يناير 2026، على متنها 5700 جندي، ومقاتلات (F-35C وF/A-18) وطائرات الحرب الإلكترونية من طراز EA-18G Growler القادرة على التشويش على دفاعات الجوية، برفقة 3 مدمرات قادرة على إطلاق صواريخ توماهوك المجنحة، كما نشرت الولايات المتحدة مقاتلات F-15E في إحدى القواعد بالمنطقة، وتعمل على نقل أنظمة الدفاع الجوي "باتريوت"، و"ثاد" إلى المنطقة للمساعدة في الدفاع عن المنشآت الأميركية وشركاء الولايات المتحدة من أي هجمات إيرانية مضادة.
وستنضم حاملة الطائرات "جيرالد فورد" القادمة من بحر الصين الجنوبي، إلى 3 سفن قتالية كانت في المنطقة إضافة إلى مدمرتين أميركيتين أخريين كانتا تبحران في الخليج العربي، وذلك وفقا لما نقلته وكالة "أسوشيتد برس" وصحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين في وزارة الحرب الأمريكية، بهدف تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين (؟!)
وكانت وسائل إعلام أمريكية وإسرائيلية تحدثت في وقت سابق عن وصول ثلاث سفن قتالية أميركية ومدمرتان إلى ميناء سلمان بالبحرين، ونشر نظام EAGLE المضاد للطائرات بدون طيار في الشرق الأوسط، لدعم العمليات ضد إيران ووكلائها، واقتراب سفينة تحمل أنظمة دفاع صاروخي خاصة بالجيش الأمريكي من سواحل عتليت جنوب حيفا كما تحدثت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن طلب إسرائيل بأن تشمل الضربة الأمريكية منظومات صواريخ أرض ـ أرض الإيرانية.
ذلك في الوقت الذي وجه فيه رئيس هيئة الطيران المدني الإسرائيلي شركات الطيران الأجنبية في مطار بن جوريون من فترة أمنية حساسة نهاية الأسبوع الجاري، فيما أشارت مجلة إيبوك الإسرائيلي نقلا عن جهات أمنية لم يسمها، أن لحظة اتخاذ القرار بشأن عملية عسكرية ضد إيران باتت وشيكة، فيما نقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين في وزارة الحرب الأمريكية، توقعهم بوصول المزيد من الأصول العسكرية خلال فترة تتراوح بين أسبوع وأسبوعين، وذلك يتفق مع ما ذكرته "القناة 14 الإسرائيلية" أن الولايات المتحدة أبلغت إسرائيل بأن الاستعدادات العسكرية ستكتمل في غضون أسبوعين تقريباً، لكنها مستعدة لأي فرصة وفي سياق متصل، أعلن الأربعاء (28 يناير 2026) عن وصول المدمرة الأميركية يو إس إس روزفلت (DDG-80) ) إلى الساحل الشمالي لفلسطين المحتلة.
وردت إيران بإطلاق تحذيرات شديدة اللهجة مؤكدة قدرتها على إغراق حاملات الطائرات باستخدام صواريخ فرط صوتية متقدمة في حال الاستفزاز وحذر الحرس الثوري الإيراني من أن أي عدوان أميركي سيُشعل حربًا شاملة، وأن إيران تضع "إصبعها على الزناد"، وأن حاملات الطائرات الأمريكية ليست عامل ردع، بل ستتحول إلى أهداف، لافتاً إلى رصد أي تحركات قد تهدد الأمن القومي لطهران.
كما استعرضت إيران قدراتها المضادة للسفن في مناورات عسكرية مثل سلسلة الرسول الأعظم، حيث حاكت هجمات أسراب وضربات صاروخية على نماذج تحاكي حاملات طائرات أميركية، ويستعرض إعلامها يومياً القدرات الصاروخية وتطويرها، كما أعلن عن إطلاقها صاروخ عابر للقارات في منطقة سيبيريا الروسية، وقيامها الشهر الماضي باختبار أول لغم جوي يستهدف المُسيرات والمروحيات منخفضة الارتفاع وسائل الإعلام الإيرانية تحدثت عن إنتاج رؤوس حربية خارقة للتحصينات، مصممة ليتم حملها بواسطة الصواريخ الباليستية فرط الصوتية تصل سرعتها إلى 16 ماخ، وبقدرة حمل تتراوح بين 1 إلى 2 طن من المواد المتفجرة.
على الجانب الاقتصادي أصدرت وزارة الخزانة الأمريكية، يوم الجمعة (23 يناير 2026) مجموعة جديدة من العقوبات على إيران تستهدف تسع ناقلات نفط تابعة لما يعرف باسم "أسطول الظل" وثماني كيانات مرتبطة به، في إطار سعي واشنطن لتكثيف الضغط على إيران على خلفية قتل متظاهرين في الآونة الأخيرة، وأوضحت الوزارة أن الكيانات تقيم في الإمارات وسلطنة عمان والهند.
حرب خامنئي وترامب
يأتي ذلك بالتزامن مع تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بمحو إيران من على وجه الأرض في حال تعرضت حياته أو حياة أي مسؤول أمريكي لأي تهديد، في تصعيد غير مسبوق في لهجته تجاه طهران، خلال تصريحات لقناة "نيوز نيشن" الأمريكية رداً على تحذير أطلقه رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف، أكد فيه أن إيران مستعدة لتلقين ترامب درسا لا ينسى في حال اتخذ قرارا بمهاجمة الجمهورية الإسلامية.
وكان السيناتور الأميركي ليندسي جراهام، قد حذر من قبل في حديث مع قناة "فوكس نيوز" الأميركية، المرشد الإيراني علي خامنئي قائلا: "عليك أن تفهم، إذا واصلت قتل شعبك الذي يطالب بحياة أفضل فإن دونالد ترامب سيقتلك"، وفي المقابل قال المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية الجنرال أبو الفضل شكارجي، "إن ترامب يعلم مسبقاً أن طهران لن تتوانى عن الرد"، مضيفاً أن أي استهداف للمرشد الأعلى علي خامنئي سيقابل برد قاسٍ، فيما أكد أمين مجلس الأمن القومي الإيراني أن القوات المسلحة أعدت خططها للرد على أي هجوم أمريكي أو إسرائيلي محتمل وسيكون موجعًا.
منذ 28 ديسمبر 2025، ونحن نعيش معركة إعلامية، وحرب نفسية بين واشنطن وطهران، تتصاعد وتيرتها بمقياس "الفوتو ثانية" ترامب يطلق تحذيراته وتهديداته في كل مناسبة، إذا تحدث عن فنزويلا التي خطف رئيسها، أو كوبا المهددة بمصير جارتها، أو الحرب الأوكرانية، حتى وهو في قمة دافوس، لم تغيب إيران عنه، وفي المقابل يرد قادة إيران العسكريين والسياسيين بالمثل.
الجديد في حرب التصريحات الإيرانية الأمريكية هي الحرب الرقمية بين المرشد الأعلى آية الله على خامنئي، والرئيس الأمريكي عبر تروث سوشيال وموقع إكس، والتي تجاوزت الأعراف الدبلوماسية بوصولها إلى التراشق الشخصي والتهديدات المباشرة.
الحساب الرسمي لخامنئي نشر صورة لترامب يصوره وكأنه فرعون في تابوت متحلل، مع تعليق "مثل فرعون"، كما نشر صورة للاعب جولف (يشبه ترامب) تحت ظل طائرة حربية مع نص "الانتقام حتمي"، ووصف خامنئي ترامب بـ "المهرج" و"المجرم"، خاصة بعد دعم ترامب للاحتجاجات داخل إيران، وفي خطاب نُشرت مقتطفات منه عبر حسابه، قال خامنئي إن ترامب "ثرثار" يحاول تضليل الشعب الإيراني بادعاءات كاذبة من جانبه اتهم ترامب المرشد الإيراني بالمسؤولية عن تدمير بلاده بشكل كامل، واستخدام العنف بمستويات غير مسبوقة، داعيا إلى إنهاء حكمه والبحث عن قيادة جديدة في إيران.
ونقل موقع أكسيوس الأمريكي عن ترامب قوله " لدينا أسطول ضخم بالقرب من إيران وهو أكبر من أسطول فنزويلا"، وهو ما فسره الإعلام الإسرائيلي بأن إدراة ترامب تدرس إمكانية فرض حصار بحري على إيران لمنعها من تصدير النفط على غرار ما فعلت مع فنزويلا، ثم تنفيذ عملية خاطفة.. وترد هيئة الأركان الإيرانية بأن التفكير بعمليات خاطفة ضدنا تقييم خاطئ لقدراتنا دفاعا وهجوما، وأن إيران ـ وفقا لتصريحات المساعد السياسي لقائد القوة البحرية للحرس الثوري ـ تتلقى بيانات من مضيق هرمز في الوقت الحالي من الجو والسطح وتحت الماء، وأمن هذه المنطقة يعتمد على قرارات طهران.
ترامب الذي لا يتوقف عن تصريحات التهديد والوعيد، والترغيب والترهيب، أعلن أن رسوما بنسبة خمسة وعشرين في المئة ستفرض على أي جهة تتعامل مع إيران وستدخل حيز التنفيذ قريبا، وقال لموقع أكسيوس "الدبلوماسية لا تزال خيارا مطروحا مع إيران التي تريد التوصل لاتفاق، وأعلم أن إيران تريد التوصل لاتفاق واتصلت بي مرارا وهي تريد الحوار" واضعاً شروطه بقوله " أي اتفاق مع إيران يجب أن يتضمن إزالة اليورانيوم المخصب ووضع حد للصواريخ بعيدة، وعليها تغيير سياستها في دعم وكلائها بالمنطقة".
ليرد قادة إيران على المستويين السياسي والعسكري مؤكدين أن الجمهورية الإسلامية لا تسعى إلى الحرب، ولن تكون البادئة، لكنها على أتم الاستعداد لمواجهة العدو، وإذا فُرضت عليهم الحرب، فسيكون الرد أكثر حسمًا من ذي قبل. كما أكد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أستعداد بلاده للتفاوض، ولكن مفاوضات عادلة وكريمة، من موقف متكافئ، مع الاحترام المتبادل وعلى أساس المصالح المشتركة، وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، إن قناة الاتصال بين عراقجي والمبعوث الأمريكي الخاص، ستيف ويتكوف، "لا تزال مفتوحة، ويتم تبادل الرسائل عبر هذه القناة إذا لزم الأمر".. إلا أن وزير الخارجية عراقجي قال "لم نتواصل مع ويتكوف في الأيام الماضية، ولم نطلب إجراء مفاوضات".
وكانت الحكومة الإيرانية أعربت عن استعدادها للتفاوض عدة مرات خلال الأشهر الماضية، وإن كان الرئيس الإيراني مسعود بزكشيان ـ وفقا لما نقلته عنه وكالة إيرنا الإيرانية ـ يرى أن التفاوض من وجهة نظر الأميركيين يعني تنفيذ ما يطلبونه وهذا لا يعتبر تفاوض.
قطار الشرق الأوسط الجديد
نحن الآن في اللحظة الحاسمة وفقا للتحركات العسكرية الأمريكية، وأصبحت إيران أمام خيارين إما الحرب أو الاستسلام الذي يصفه ترامب بالخضوع الاستراتيجي بالموافقة على شروطه، التي من أجلها دعمت واشنطن المظاهرات لتكون مبرراً لتوجيه الضربة العسكرية.
والشروط الترامبية الإثنية عشر هي: الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، وتسليم المخزون المخصب بنسبة عالية، تدمير الصواريخ الباليستية التي يتجاوز مداها 300 كيلو متر لضمان عدم تهديد إسرائيل والقواعد الأمريكية، انتقال السلطة من المرشد الأعلى لقيادة وسطية مدنية يمكنها التعامل مع العالم( بمعنى أدق تكون تحت الهيمنة الأمريكية مثل نظام الشاه)، المساعدة في نزع سلاح المقاومة في لبنان واليمن والعراق، وقف الهجمات السيبرانية، إطلاق سراح جميع الأمريكيين وحلفائهم المتهمين بالتجسس، فتح الأسواق للشركات الأمريكية للاستثمار في مجال النفط والمعادن الحيوية، تقليص التعاون العسكري مع روسيا والصين.
من الواضح أن إيران لن تقدم أية تنازلات حتى ولو كانت تكتيكية لإدراكها أن أي تنازل سيصاحبه تنازلات كما هو الواقع في لبنان وسوريا، كما أنها ترى في التنازل انتحار سياسي لمشروع الدولة الدينية التي تأسست عام 1979، لذلك ترى أن التصعيد هو الحل، لخشية أمريكا على مصالحها وأمن إسرائيل، ولا تريد إهتزاز صورتها العسكرية وغطرسة القوة العظمى مما يمنح الصين وروسيا مزيد من القوة السياسية والاقصادية بالمنطقة بل والعالم.
فيما تصر أمريكا على ضرب إيران لأنها "العائق الوحيد الصلب" الذي يمتلك أذرعاً عسكرية قادرة على تعطيل مسار تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، الذي أعاد ترامب صياغته ويهدف لتحويل إسرائيل من "كيان معادٍ" إلى "مركز ثقل اقتصادي وأمني" في المنطقة عبر اتفاقيات الإبراهيمية وتوسيعها، وتفكيك الهلال الشيعي في لبنان وسوريا والعراق بقطع الممر البري الذي يربطهم بإيران.
ولا يفوتنا رغبة ترامب في الهيمنة على الطاقة والسيطرة على خطوط الإمداد لضمان عدم وصولها للصين. وأيضاً معاقبة إيران لرفضها المشاركة في أن تكون أحد أدوات تنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد، وتبنيها ما يوصف بمحور المقاومة كبديل للمشروع الأمريكي المطروح. وأيضاً تصفية الحسابات التاريخية مع "الثورة الإسلامية" التي بدأت عام 1979.
ومن أهداف ضرب إيران وكسرها، تأمين إسرائيل، والذي جاء كأولوية قصوى في الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية لعام 2026، وصنفها حليف نموذجي.
ووفقا لذلك ترى واشنطن استقرار إسرائيل يتطلب تصفير التهديدات المحيطة بها، ولن يتحقق ذلك إلا بتلك الضربة التي تحرم حلفاء إيران من"الرأس المدبر" والتمويل، مما يُمكن إسرائيل لتكون القوة المهيمنة الوحيدة عسكرياً وتكنولوجياً في المنطقة، وبالتالي يكون العقد القادم (2026-2036) خالياً من أي قوة إقليمية قادرة على تحدي المصالح الأمريكية أو الوجود الإسرائيلي، مما يعني اغتيال الشرق الأوسط، وانطلاق قطار الشرق الجديد حاملاً إسرائيل الكبرى، لأن سقوط إيران سيؤدي إلى "فراغ استراتيجي" لن يملأه العرب، بل ستملأه إسرائيل التي تمتلك المشروع والقدرة والدعم الأمريكي غير المحدود في عهد ترامب.
وذلك ما يدركه العرب خاصة مصر والسعودية وقطر وسلطنة عُمان، لإدراكها أن الفوضى الناتجة عن حرب كبرى ستعطي قبلة الحياة للتنظيمات المتطرفة للظهور مجدداً في الفراغ الأمني الذي سيخلفه الصراع، وهو ما يهدد الأمن القومي المصري والعربي بشكل مباشر، كما أن القاهرة والرياض والدوحة يدركون أن تصفية إيران سيكون لصالح الهيمنة الإسرايلية المدعومة أمريكياً، وأن النظام الإيراني هو الدرع الواقي ضد الهيمنة المنتظرة التي ستقضي على القضية الفلسطينية.
القاهرة والرياض والدوحة ومسقط يسعون لأداء دور حارس التوازن لمنع تحويل الشرق الأوسط لضاحية تابعة لإسرائيل، وترامب يريد الحلب دون حرب، وإيران تريد الاعتراف دون انكسار والمسلسل مستمر.








