تبدو شاشة رمضان ٢٠٢٦ وكأنها بداية عودة إلى ما يليق بالمجتمعات العربية وقيمها، فشهر رمضان ليس مجرد موسم درامي عابر، بل هو لحظة اجتماعية خاصة تتجمع فيها العائلات حول شاشة التلفزيون، وهو ما يجعل المحتوى المعروض مسؤولية ثقافية وأخلاقية قبل أن يكون مجرد سباق على نسب المشاهدة.
خلال السنوات الماضية، ابتعدت الدراما عن هذه الحقيقة بشكل لافت، فقد امتلأت بعض الأعمال بأنماط تقوم على الابتذال، وتدفع إلى العنف، وتُغرق الحوار في ألفاظ بذيئة لا تليق بأن تُعرض في بيوت يجلس فيها الآباء والأمهات إلى جوار أبنائهم، بدا وكأن بعض هذه الأعمال لا ترى في المشاهد سوى متلقٍ يمكن جذبه بالضجيج والصدام، لا بالمعنى أو الفكرة.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الأعمال تعاملت مع سلوكيات خطيرة وكأنها أمر طبيعي، فقد ظهرت مظاهر العنف أحيانًا في صورة بطولة، وبدت الخيانات وكأنها مجرد تفصيله عابرة في العلاقات، يتم تمريرها دراميًا دون معالجة حقيقية تُدينها أو تضعها في سياق أخلاقي واضح، وهكذا تحولت بعض الأعمال إلى مرآة مشوهة لا تعكس المجتمع بقدر ما تشوه صورته.
ولسنوات، حاول البعض أن يلقي بالمسؤولية على الجمهور، وكأن المشاهد العربي هو من يطلب هذه اللغة المتدنية وهذه النماذج الدرامية الفجة، لكن الواقع أثبت عكس ذلك، فوعي الجمهور وتعطشه لما يليق به كان صاحب القرار الحقيقي، وهو ما بدأ ينعكس بوضوح على شاشة رمضان ٢٠٢٦.
الصيغ القديمة
في هذا الموسم ظهرت أعمال تحاول استعادة التوازن، وتقدم حكايات أقرب إلى المجتمع دون الاتكاء على الصدمة أو الابتذال، وربما اللافت أن هذا التغيير لم يقتصر على الدراما وحدها، بل امتد أيضًا إلى البرامج، فقد عادت إلينا برامج الكاميرا الخفية بطبيعتها الخفيفة الضاحكة، التي تعتمد على الموقف الطريف والضحكة البسيطة.
صحيح أن بعض الأعمال ما زالت أسيرة الصيغ القديمة، وتعيد إنتاج أنماط استهلكها الجمهور وملّها، لكن اللافت أن الميزان بدأ يتغير، فلم تعد الأعمال الجيدة حالة نادرة وسط ضجيج الابتذال، بل أصبحت تقف جنبًا إلى جنب مع غيرها، وهو ما يمثل خطوة حقيقية في طريق استعادة الدراما لدورها الطبيعي.
لقد قال الجمهور كلمته أخيرًا، وأثبت أنه لم يكن يومًا طرفًا في هذا الانحدار، فالمشاهد العربي لا يبحث عن الضجيج المفتعل ولا لغة الشارع الفجة، بل عن دراما تحترم عقله وتليق بأن تُشاهد داخل بيت عربي، وربما يكون هذا الموسم هو أول إشارة واضحة إلى أن زمن الاتكاء على الابتذال بدأ يتراجع، وأن الدراما يمكن أن تعود إلى مكانها الطبيعي: فنًا يعبّر عن المجتمع لا عبئًا عليه.







