و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

السؤال الذى يشغل اهتمامات معظم المراقبين والمتابعين للأزمة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران هذه الأيام، مع تصعيد الرئيس الأمريكى دونالد ترامب تهديداته «النارية» لإيران بـ «إزالتها من على الكرة الأرضية»، وتحريكه حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وثلاث مدمرات بحرية على ظهرها 75 طائرة من طراز «اف15-» القاذفة المطورة، و 6 آلاف جندي، هو: هل الهجوم الأمريكى – الإسرائيلى على إيران بات وشيكًا؟

السؤال مهم، لكن الأهم منه هو سؤال آخر يشغل الإيرانيين قيادة وشعبًا، فى ظل ما تكشف من معلومات وحقائق الاضطرابات والتظاهرات الدامية التى تفجرت فى إيران، وبالأخص فى محافظة «كرمنشاه» الإيرانية الكردية، الواقعة على الحدود الشمالية الغربية لإيران والمحاذية لإقليم كردستان العراق، حيث الوجود الاستخبارى الأمريكى والإسرائيلى المكثف. هذا السؤال هو ماذا ستختار إيران: الصمود والمقاومة حفاظًا على العزة والكرامة والسيادة الوطنية أم الانهزام والخضوع والاستسلام؟

ربما يتصور البعض أن المناخ العالمى الراهن منذ الغزوة الأمريكية على فنزويلا، والانكسار الذى تبدى فى الداخل الفنزويلى ومعظم دول أمريكا اللاتينية وفتور الرفض الدولى لهذه الجريمة، خاصة من جانب حليفى فنزويلا: الصين وروسيا، أضحى يفرض «خيار الاستسلام» على الشعوب الأخرى بقدر ما أخذ يفرض «خيار التجبر والاستكبار» لدى القيادة الأمريكية، التى اتجهت للصدام حتى مع حلفائها الأوروبيين, رغم هذا المناخ الذى أقل ما يوصف به أنه «مناخ رديء»، فإن المؤكد أن إيران اختارت الصمود والمواجهة وعدم الاستسلام: «صمود من موقف القوة وليس من موقف الضعف». وهنا يجدر التساؤل: ما هو الرهان الإيرانى فى الأخذ بهذا الخيار الذى قد يبدو صعبًا، وربما مستحيلًا، لدى الكثيرين فى ظروف هذا الطغيان الأمريكى المنفلت، وفى ظل غياب أى رادع أو قوة دولية قادرة على التصدى له؟

إيران تراهن على قدراتها الذاتية وعلى مكانتها الحضارية والتاريخية والعقائدية. فإيران ليست دولة عادية، وهى تتحرك بوعى شعبى فطرى رافض للانهزام أمام التهديدات الخارجية صاغه مفكرها المبدع الدكتور «على شريعتي» أحد أبرز مفكرى الثورة الإسلامية، فهو من وصف الاستسلام والخضوع للإملاءات الخارجية بأنه «استحمار» وليس مجرد «تبعية وانكسار».

هذا هو الرهان التاريخى والعقائدى الذى يحكم إيران، لكن ليس وحده، بل إنه مدعوم بتحول دولى رافض للاستكبار الأمريكي، يتولَّد ويتزايد يومًا بعد يوم، تؤكده أحداث وتظاهرات العاصمة الفنزويلية الأخيرة «كراكاس» المطالبة بالإفراج عن الرئيس الفنزويلى وزوجته، ورفض الرئيس الكوبى «ميجل دياز كانل» تهديد ترامب بلاده، وتأكيده أن «الولايات المتحدة لا تملك أى سلطة أخلاقية لفرض اتفاق على كوبا»، لكن الأهم هو بروز تيار الرفض لغطرسة ترامب من قلب حلفائه الأوروبيين فى حلف شمال الأطلسي، لكن ما هو أهم هو التحدى الصريح للرئيس ترامب من رئيس وزراء كندا مارك كارنى فى مؤتمر دافوس، فى وجود ترامب الأسبوع الماضي. كارنى ألقى خطابًا ناريًا خلال المنتدى الاقتصادى فى دافوس، اعتبر فيه أن «التشدد الجديد من الولايات المتحدة والقوى العظمى الأخرى، يعنى أن النظام الدولى القائم على القواعد قد انتهى»، وحض كارنى الدول المتوسطة والصغيرة الحجم على التكاتف والعمل معًا لمقاومة مبدأ «أمريكا أولًا» الذى يتبناه ترامب، وذهب إلى أبعد من ذلك بالتنديد بسياسات «الاستبداد والإقصاء».

الصمود والمواجهة

اختيار إيران الرهان «الصمود والمواجهة» له ما يدعمه من القناعات والأسانيد القوية: أولى هذه القناعات هى الثقة بأن «التدخل الأجنبى للإطاحة بحكومة وطنية من أجل مصالح اقصادية وأطماع هيمنة له عواقب كارثية طويلة الأمد». أكد هذا المعنى الكاتب الأمريكى «ستيفن كنزر» فى مؤلفه عن فشل أمريكا فى تجربة إسقاط حكم الدكتور محمد مصدق فى إيران فى أوائل الخمسينيات من القرن الماضى فى كتابه المهم «جميع رجال الشاه»، ويؤكده ريتشارد هاس، أحد كبار العقول الاستراتيجية الأمريكية بتأكيده أن «على مدى عقد، على الأقل، كانت الحكمة التقليدية هى أن المحاولات المباشرة لتغيير الأنظمة من جانب الولايات المتحدة قد انتهت بكارثة، مشيرًا إلى تجارب أمريكا الفاشلة فى أفغانستان والعراق وليبيا.

ثانية هذه القناعات أن ترامب يقف الآن وحيدًا، ربما باستثناء إسرائيل، فى عدوانه المحتمل ضد إيران، حتى أوروبا أضحت فى مواجهة معه، وهذا سوف يفرض قيودًا كبيرة على قراره. ثالثة هذه القناعات أن البيئة الإقليمية، خاصة دول الجوار: السعودية ومصر وتركيا وقطر وعمان، ليست مع أى عدوان ضد إيران، وأكدت أنها لن تسانده، وكان لها دور مهم فى وقف التهديدات السابقة لترامب بالعدوان على إيران فى ذروة اندلاع التظاهرات الأخيرة. أما القناعة الرابعة والأهم فهى الثقة بوعى الشعب الإيراني، والثقة بأن التهديدات الأمريكية ليست لدعم إصلاحات، ولكن لإسقاط النظام، اعتمادًا على عملاء وجواسيس من الخارج، وهذا ما أكده «سكوت ريتر» رجل المخابرات الأمريكية السابق بأن «العملاء الذين جندهم (الموساد) والـ «السى.آى.إيه» داخل إيران لإضرام المظاهرات وإفشاء الفوضى والتخريب، سقطوا بين قتيل وجريح ومعتقل، لدى الأمن الإيراني، معظم الستة آلاف قتيل فى هذه المظاهرات هم من الجواسيس المحليين فى معظمهم».

الأثر السلبى لهذه التدخلات الأمريكية والإسرائيلية انقلب عكسيًا على أصحابه، فبدلًا من إضعاف النظام وإسقاطه، أسهمت هذه الضغوط والتدخلات فى تعزيز «التماسك والتوحد الوطني»، وتحوَّل هذا الثبات إلى حالة من التجدد السياسى والشعبي، حيث برز شعار «الثورة تولد من جديد»، لمرحلة ما بعد التهديدات والمراجعة الداخلية فى رهان إيرانى على أن «الحق هو الذى يصنع القوة»، وليس كما يروج ترامب بأن «القوة هى التى تصنع الحق».

تم نسخ الرابط