وضعت أزمة جزيرة جرينلاند الدنماركية دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 أمام أصعب اختباراتها، أو فلنقل «الاختبار المؤجل» منذ سنوات طويلة، وبالذات منذ نهاية الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفييتي، ومسعى الولايات المتحدة إلى فرض «إمبراطورية أمريكية» تسيطر منفردة على النظام العالمي.
الوثيقة التاريخية التي صدرت عن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) في ذلك الوقت، أكدت ذلك، وكان من بين بنودها النص على «الحيلولة دون تمكين أوروبا من امتلاك هوية أمنية مستقلة» عن حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة، إلا أن أوروبا أدركت المعنى المقصود، وهو أنها باتت لا تمثل الأولوية ذاتها التي كانت تمثلها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية بالنسبة للولايات المتحدة.
فرنسا وحدها، كانت هي المتشكك في جدوى «المظلة النووية الأمريكية» وجدية التزامات الولايات المتحدة بالدفاع عن أوروبا منذ عهد الرئيس شارل ديجول، الذي قاد عملية امتلاك فرنسا خيارها النووي المستقل. وهي أيضاً التي تقود الآن في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون هذا التوجه الساعي إلى امتلاك هوية أمنية أوروبية مستقلة عن الولايات المتحدة. وهو الأمر الذي حرص ماكرون على تأكيده في اجتماعه بسفراء بلاده في العالم، بمناسبة مؤتمرهم الثلاثين.
في هذا الاجتماع تحدث ماكرون عما يعتبره التحديات الكبرى التي تواجه بلاده ومعها الاتحاد الأوروبي في «عالم متحول وخطر»، وطالب بتبني «استراتيجية دفاعية واستقلالية»، ووجه انتقادات عنيفة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسياسات التي يمارسها، من دون أن يسميه بالاسم، انطلاقاً من تخوفه من «تهميش أوروبا»، وفرنسا في قلبها، وتفكك حلف شمال الأطلسي، ونسف المنظمات الدولية، وتقاسم النفوذ في العالم بين قطبين عالميين هما: الولايات المتحدة والصين، وعودة «الأطماع الإمبريالية» إلى الواجهة أكانت روسية (في أوكرانيا)، أو أمريكية (في فنزويلا وجرينلاند)، أو صينية (في تايوان). ماكرون كان قد تحدث في خطاب مهم له في بودابست (نوفمبر 2024)، بمناسبة قمة «المجموعة السياسية الأوروبية»، وقال بالحرف: إن «العالم يتكون من فئتين: أكلة اللحوم من جهة، وأكلة الأعشاب من جهة أخرى. وإذا كان قرارنا البقاء كأكلة الأعشاب، فسوف يلتهمنا أكلة اللحوم، لذا فمن الأفضل لنا أن نكون (في الوقت عينه) من أكلة الأعشاب وأكلة اللحوم».
التحدي الأوروبي
هذا التحدي طرحه ماكرون أمام القادة الأوروبيين، وهذا الطرح يتجدد الآن.. هل في مقدور أوروبا أن تمتلك استقلاليتها الاستراتيجية، واستقلالية قرارها، متجاوزة قيود الهيمنة الأمريكية؟ وهل في مقدورها إجبار ترامب على التراجع عن عزمه على ضم جزيرة جرينلاند كرهاً أو طوعاً للولايات المتحدة، لسبب محدد هو أن الولايات المتحدة تريد هذه الجزيرة؟ على نحو ما كتب ترامب مجدداً على منصته «تروث سوشيال» أن الولايات المتحدة بحاجة إلى جرينلاند لأسباب تتعلق بالأمن القومي، وأنها ضرورية للقبة الذهبية التي نبنيها، في إشارة إلى نظام أمريكي حديث للدفاع الصاروخي والجوي. وكان قد ردد أكثر من مرة أن بلاده تحتاج إلى جرينلاند لمواجهة تقدم روسيا والصين في الدائرة القطبية الشمالية، من غير أن يستبعد استخدام القوة للسيطرة عليها.
أول رد فعل أوروبي له اعتباره في هذا الصدد كان ذلك البيان الرافض بصراحة للمطالب الأمريكية، الذي أصدرته فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وإسبانيا وبولندا والدنمارك، الذي أكد أن جرينلاند والدنمارك هما فقط من لديهما الحق في البت بمسائل علاقاتهما، في وقت كتب فريدرك نيلسن رئيس وزراء جرينلاند فى منشور على فيسبوك موقف حكومته: كفى.. لا مزيد من أوهام الضم.
أما الإجراء العملي، فكان هزيلاً، حيث وصلت بعثة عسكرية أوروبية إلى الجزيرة أساسها قوة دنماركية ومشاركات رمزية من فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وبريطانيا، في سياق ما جرى تسميته ب«مناورات الصمود القطبي» التي تنظمها الدنمارك، وقد تمثلت هذه المساهمات الأوروبية في 13 جندياً ألمانياً وجندي واحد لكل من هولندا وبريطانيا، والهدف هو إعداد الجيوش لتدريبات مستقبلية في القطب الشمالي.
لكن الرئيس الفرنسي ماكرون قال في كلمة أمام عسكريين في قاعدة جوية قرب مرسيليا إن على فرنسا والأوروبيين أن يواصلوا الوجود في أي مكان تتعرض فيه مصالحهم للتهديد، من دون تصعيد، لكن من دون مساومة على صعيد احترام سلامة الأراضي.
مجمل تصريحات ومواقف الأوروبيين، وفي مقدمتهم الدنمارك تؤكد أنهم حريصون على احتواء الأزمة مع الولايات المتحدة واسترضائها، لكن هذا لا يقنع الرئيس ترامب، الذي رد بعنف على تلك المشاركات الأوروبية في مناورة الدنمارك، وفرض رسوماً جمركية على الدول الثماني المشاركة بواقع 10% ابتداء من أول فبراير المقبل، محذراً من رفعها إلى حين التوصل إلى اتفاق على الشراء الكامل والشامل لجرينلاند.
الرفض الأوروبي لهذه العقوبات لا يمثل شيئاً بالنسبة للرئيس الأمريكي ويكشف مدى العجز الأوروبي. وها هي أوروبا تجد نفسها أمام خيارين، إما المواجهة الجماعية مع واشنطن أو الخضوع القهري للتبعية الأمريكية، وهذا ما سوف تحسمه تطورات أزمة جرينلاند.



