و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

ماذا فعلت وزارة النقل بتوصيات الهيئة الموقرة ؟

8 سنوات من تحذيرات النيابة الإدارية وحادث العياط يعيد ملف السلامة إلى الواجهة

موقع الصفحة الأولى

على مدار السنوات الماضية، أصدرت النيابة الإدارية أكثر من تقرير بشأن أوجه القصور داخل مرفق السكك الحديدية، وقدمت توصيات فنية وإدارية استهدفت الحد من حوادث القطارات، بدءًا من تطوير منظومة الإشارات والاتصالات، مرورًا بتأمين المزلقانات ومراقبة تشغيل القطارات، وصولًا إلى تدريب العاملين وتشديد الرقابة على أجهزة الأمان داخل الجرارات.

لكن حادث انقلاب عدد من عربات أحد القطارات بمنطقة العياط، اليوم الأحد 8 نوفمبر 2026، وما صاحبه من إصابات وفق المعلومات الأولية المنشورة، يعيد طرح سؤال مهم: ما الذي نُفذ من تلك التوصيات؟ وما أوجه القصور التي ظلت محل تحذير ومتابعة؟

وتكشف مراجعة التقارير المنشورة أن النيابة الإدارية وضعت مجموعتين أساسيتين من التوصيات: الأولى عقب حوادث العياط، والثانية بعد حادث قطار المرازيق عام 2018. وفي المقابل، أعلنت وزارة النقل تنفيذ مشروعات فعلية لتحديث الإشارات والتحكم المركزي على قطاعات من شبكة الصعيد، بينما ظلت قطاعات أخرى، من بينها خط القاهرة–الجيزة–بني سويف، ضمن المشروعات الجاري تنفيذها حتى أغسطس 2026.

من توصيات 2017 إلى تقرير المرازيق 2018.. ماذا نُفذ من روشتة النيابة الإدارية؟

بدأت أولى توصيات النيابة الإدارية عقب حادث قطار العياط الذي وقع عام 2016، وأسفر عن مصرع 5 أشخاص وإصابة 27 آخرين، إذ أصدرت النيابة الإدارية 8 توصيات للجهات المعنية، تضمنت تطوير وصيانة أجهزة الاتصالات والإشارات، وضمان توافق أنظمة القاطرات مع الملفات الأرضية الموجودة على الخطوط، وتفعيل منظومة متابعة وصيانة دورية للأجهزة الإلكترونية بالقطارات.

كما طالبت النيابة الإدارية بالتنسيق بين هيئة السكك الحديدية والشرطة والمحليات لضبط حركة المرور عند المزلقانات، وتقليل أعداد المزلقانات المتقاربة التي يصعب السيطرة عليها، ووضع لافتات إرشادية وعلامات أرضية قبل مناطق العبور، وإضاءتها بصورة كافية، إلى جانب إنشاء مطبات صناعية قبل المزلقانات بنحو 15 مترًا، وإحاطة مناطق المزلقانات بأسوار لمنع اقتحامها، وتدريب العمالة المسؤولة عن تشغيلها.

تقرير 2018.. خلل الإشارات وأجهزة الأمان والعنصر البشري

وفي 29 أغسطس 2018، عادت النيابة الإدارية لتدق ناقوس الخطر، عقب انتهاء تحقيقاتها في حادث خروج جرار وعربات القطار رقم 986 عن القضبان وانقلاب بعضها بمحطة المرازيق في 13 يوليو من العام نفسه، بسبب عطل في التحويلة.

وكشف التقرير عن أوجه قصور في منظومة الإشارات، مشيرًا إلى أن بعض خطوط السكك الحديدية كانت لا تزال تعتمد على أنظمة ربط ميكانيكية قديمة، لا توفر تحكمًا مركزيًا متكاملًا في حركة القطارات، ولا تسجل جميع الأحداث الخاصة بالتشغيل، فضلًا عن اعتمادها بدرجة كبيرة على العنصر البشري.

ورصد التقرير كذلك مشكلات في أجهزة التحكم الآلي بالقطارات المعروفة باسم «إيه تي سي»، من بينها سهولة الوصول إليها وتعطيلها أو سرقتها، وهو ما يهدد فاعلية منظومة الأمان ويتيح تجاوز بعض تعليمات التشغيل والسرعات المحددة.

وقدمت النيابة الإدارية حلولًا تضمنت التحول إلى نظام الربط الإلكتروني بين الإشارات ومسير القطارات، وتطبيق التحكم المركزي وتسجيل الأحداث، باعتبارها وسائل تقلل الاعتماد على التدخل البشري وتتيح مراقبة حركة القطارات بصورة أكثر دقة. كما أوصت، لحين استكمال التحول الإلكتروني، بتركيب كاميرات مراقبة في غرف وأبراج الإشارات ولوحات التشغيل، ووضع أجهزة التحكم الآلي داخل الجرارات في أماكن يصعب الوصول إليها أو العبث بها.

على مستوى تحديث الإشارات والتحكم المركزي، تكشف البيانات الرسمية عن تنفيذ مشروعات مهمة على عدد من خطوط السكك الحديدية، من بينها تطوير خط بني سويف–أسيوط بطول 250 كيلومترًا، وتحويل نظام الإشارات به إلى النظام الإلكتروني الحديث، مع إنشاء مركز تحكم مركزي وتجهيز 86 مزلقانًا بأنظمة آلية وأجراس وأنوار وبوابات.

وفي أغسطس 2026، أعلنت وزارة النقل دخول مبنى التحكم المركزي بسوهاج الخدمة، واستكمال تطوير الإشارات على القطاع الممتد من بني سويف إلى نجع حمادي بطول 431 كيلومترًا، مع تشغيله بنظام الإشارات الإلكتروني الحديث، ووجود 59 مزلقانًا مطورًا على خط أسيوط–نجع حمادي.

وتعكس هذه المشروعات تنفيذًا فعليًا لجزء مهم من توصيات النيابة الإدارية، خاصة ما يتعلق بتحديث الإشارات والربط الإلكتروني والتحكم المركزي وتأمين المزلقانات، لكنها لا تعني أن جميع خطوط الشبكة أصبحت تعمل بالنظام الحديث نفسه.

والدليل على استمرار أعمال التطوير أن وزارة النقل أعلنت في أغسطس 2026 استمرار تنفيذ مشروع تحديث الإشارات على خط القاهرة–الجيزة–بني سويف بطول 125 كيلومترًا، وهو القطاع الذي يقع ضمن نطاقه موقع حادث اليوم بين محطتي كفر عمار والرقة بالعياط. 

في المقابل، لا تكشف البيانات الرسمية المنشورة التي أمكن مراجعتها عن موقف تفصيلي شامل يحدد نسبة تنفيذ كل توصية من توصيات النيابة الإدارية، خاصة ما يتعلق بتعميم كاميرات المراقبة على جميع أبراج الإشارات وغرف التحكم، وتأمين أجهزة التحكم الآلي داخل كل الجرارات، ومدى الالتزام ببرامج الصيانة الدورية، وتدريب جميع العاملين المسؤولين عن تشغيل المزلقانات.

كما لا تتوافر في البيانات التي أمكن التحقق منها حصيلة موحدة توضح عدد المزلقانات التي أُغلقت أو أُعيد تنظيم المرور عندها تنفيذًا لتوصية تقليل المزلقانات المتقاربة، أو مدى تعميم اللافتات والمطبات والأسوار التي أوصت بها النيابة الإدارية.

وبالتالي، فإن القول إن هذه التوصيات لم تُنفذ مطلقًا سيكون غير دقيق، مثلما أن القول بتنفيذها بالكامل لا تدعمه المعلومات المنشورة؛ فهناك مشروعات تطوير معلنة دخلت الخدمة بالفعل، إلى جانب مشروعات أخرى لا تزال قيد التنفيذ، بينما يحتاج تقييم باقي التوصيات إلى بيانات تفصيلية من هيئة السكك الحديدية ووزارة النقل.

وجاء حادث اليوم الأحد 8 نوفمبر 2026 ليعيد ملف التوصيات إلى الواجهة، بعدما أعلنت الهيئة القومية لسكك حديد مصر وقوع تصادم بين القطار رقم 134 «تحيا مصر» المتجه من الجيزة إلى الفيوم، ومؤخرة القطار رقم 2010 المتجه من القاهرة إلى أسوان، في المنطقة الواقعة بين محطتي كفر عمار والرقة بالعياط، ما أدى إلى خروج بعض العربات عن القضبان وإصابة عدد من الركاب.

وتظل أسباب التصادم محل تحقيق وفحص فني، ولا يمكن الجزم بارتباط الحادث بخلل في الإشارات أو أجهزة التحكم أو العنصر البشري قبل إعلان نتائج التحقيقات والتقارير الفنية المختصة.

لكن الواقعة تطرح ضرورة مراجعة مدى تطبيق توصيات النيابة الإدارية على أرض الواقع، ومدى اكتمال تحديث القطاع الذي شهد الحادث، فضلًا عن التحقق من كفاءة أنظمة الإشارات والاتصالات وأجهزة الأمان، وآليات تسجيل حركة القطارات ومتابعتها، ومدى الالتزام بتعليمات التشغيل والصيانة.

فالمعيار الحقيقي لنجاح خطط التطوير لا يتوقف عند توقيع العقود أو الإعلان عن دخول مشروعات الخدمة، وإنما يمتد إلى ضمان عمل منظومة السلامة بكامل عناصرها على جميع الخطوط، ومحاسبة المسؤولين عن أي قصور يثبت أنه أسهم في وقوع الحوادث.

تم نسخ الرابط