يمثلون 20.5% من العمالة
«التنمر على الفلاحين».. خبير اجتماعي يحذر من تحول مهنة الزراعة إلى وصمة
التنمر على الفلاحين أو استخدام لفظ الفلاحين بات كلمة دارجة أو مادة للسخرية من شخص متدني تعليميا أو اجتماعيا، في وقت يقف الفلاح المصري في قلب معادلة اقتصادية لا غنى عنها؛ فهو المنتج للغذاء والحارس للأرض الزراعية، فيما تتحول مهنته في بعض المواقف اليومية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي إلى مادة للسخرية والتنمر.
عبارة «يا فلاح» التي يفترض أن تكون توصيفًا لمهنة أساسية في المجتمع، أصبحت تُستخدم أحيانًا باعتبارها إهانة، في إشارة ضمنية إلى أن صاحبها أقل تحضرًا أو ثقافة أو مكانة اجتماعية. وهنا لا يعود الأمر مجرد «هزار» عابر، وإنما يتحول إلى صورة نمطية تضع الفلاح في مرتبة اجتماعية أدنى.
وتزداد المفارقة وضوحًا عند النظر إلى حجم مساهمة العاملين بالزراعة؛ إذ تشير بيانات مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار إلى أن العاملين في نشاط الزراعة وصيد الأسماك يمثلون نحو 20.5% من إجمالي العاملين في مصر، بما يعكس الوزن الكبير لهذا القطاع في سوق العمل والاقتصاد المصري.
ترتبط الظاهرة تاريخيًا بصورة نمطية قسمت المجتمع إلى «مدينة» باعتبارها رمزًا للحداثة، و«ريف» باعتباره رمزًا للبساطة والتقاليد.
ومع تكرار هذه الصورة في النكات وبعض الأعمال الفنية والمحتوى الرقمي، جرى اختزال الفلاح في صفات مثل السذاجة أو الجهل أو عدم القدرة على مواكبة الحياة الحديثة، رغم أن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالريف المصري يضم أطباء ومهندسين ومدرسين وأساتذة جامعات ورجال أعمال، كما أن كثيرًا من سكان المدن ينحدرون أصلًا من قرى ريفية.
وتكشف دراسة مصرية تناولت تغير الصورة النمطية للفلاح المصري أن هذه الصورة أصبحت موضوعًا جديرًا بالدراسة مع التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع المصري.

أنت فلاح
من جانبها، ترى الدكتورة هالة منصور أستاذة علم الاجتماع بجامعة بنها، أن المتنمر باستخدام لفظ الفلاحين لا يستهدف المهنة نفسها بقدر ما يستهدف ما يعتقد أنه رمز لها، موضحة أنه عندما يقول شخص لآخر «أنت فلاح» بقصد الإهانة، فإنه يحاول وضع نفسه في موقع اجتماعي أعلى، مستندًا إلى اعتقاد خاطئ بأن التحضر أو التعليم أو امتلاك المال يجعل الإنسان أكثر قيمة من غيره.
وقالت لـ الصفحة الأولى: هذه الممارسات تعد شكلًا من التنميط الاجتماعي إذ يجري اختزال مجموعة كبيرة من البشر في صفات محددة، ثم التعامل معها وكأنها حقيقة ثابتة، وفي بعض الحالات، يصبح التنمر وسيلة لإثبات الانتماء إلى مجموعة اجتماعية معينة؛ فالسخرية من «الفلاح» قد تمنح المتنمر شعورًا مؤقتًا بأنه أكثر تحضرًا أو مكانة.
وأضافت مواقع التواصل الاجتماعي تناولت بُعدا جديدا للظاهرة، فالنكتة التي كانت تُقال داخل دائرة محدودة أصبحت قادرة على الوصول إلى آلاف الأشخاص، بينما تعيد خوارزميات المنصات انتشار المحتوى المثير للسخرية والجدل، ومع التكرار، تتحول الصورة الكاريكاتورية للفلاح إلى «شخصية» مستقرة في الوعي العام.
وأشارت إلى أن الأخطر بأن الفلاح نفسه قد يصبح مترددًا في الإفصاح عن مهنته أو منطقته خوفًا من السخرية، خصوصًا بين الشباب الذين ينتقلون من القرى إلى المدن أو الجامعات.
وقالت: الخطورة الحقيقية في هذه الظاهرة أنها لا تنتقص من فرد واحد، وإنما تمس فئة اجتماعية واسعة، فالفلاح ليس مجرد عامل في الأرض، وإنما جزء أساسي من منظومة الأمن الغذائي، ومن ثم فإن التقليل من شأن المهنة الزراعية يحمل رسالة اجتماعية خاطئة للأجيال الجديدة، أي أن النجاح يعني الابتعاد عن الأرض والعمل الزراعي، وأن المهن المرتبطة بالريف أقل قيمة من المهن المرتبطة بالمدينة.
جدير بالذكر، أن قانون العقوبات بالقانون رقم 189 لسنة 2020، جرم سلوكيات تستهدف شخصًا بقصد تخويفه أو السخرية منه أو الحط من شأنه أو إقصائه اجتماعيًا، ومن بين الحالات التي تناولها القانون الاستهداف بسبب المستوى الاجتماعي.
وبالتالي، فإن استخدام الانتماء الاجتماعي أو الخلفية الريفية وسيلة متعمدة للإهانة والحط من الكرامة قد يدخل، بحسب ظروف الواقعة، في نطاق التجريم القانوني.








