و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

نائب رئيس منظمة تضامن الشعوب الافرواسيوية وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع 

في تصريحاته الأخيرة، أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الحكومة تستهدف خفض الدين الخارجي لأجهزة الموازنة بنحو 1.2 إلى 2 مليار دولار سنوياً وذلك ضمن سياسة أوسع للسيطرة على المديونية ووضعها في مسار تنازلي ، الحقيقة أن الحكومة نجحت بالفعل في خفض دين أجهزة الموازنة بنحو 6.5 مليار دولار خلال السنوات الثلاث الماضية.

لكن بالنظر الي الرقم الإجمالي للدين الخارجي لمصر يدور حول 164 مليار دولار وبعملية حسابية بسيطة لو أخذنا الحد الأقصى للمستهدف (2 مليار دولار سنوياً) وقسمنا 164 مليار على 2 ، نحصل على 82 سنة ، أي أن آخر قسط يُسدَّد نظرياً في حدود عام 2108، هذه العملية الحسابية تكشف حجم التحدي ولكنها في الوقت نفسه تفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة الدين وإدارته.

ثم ان الرقم 82 سنة هو رقم منفائل جداً يعتمد على مجموعة افتراضات مثالية يصعب تحقيقها مجتمعة على المدى الطويل

أولها عدم الاقتراض الجديد الصافي أي أن أي إصدار سندات أو قروض جديدة يجب أن يكون أقل من قيمة السداد السنوي ، ليبقى صافي الخفض 2 مليار سنوياً  والحكومة نفسها تحدثت عن اقتراض في حدود 3 مليارات مقابل سداد نحو 5 مليارات ، وهذا بالضبط ما يحقق الخفض المستهدف من الحكومة ، لكن في الواقع الدولة تحتاج إلى تمويل مشروعات واستيراد واستثمارات مما يجعل «الوقف التام» للاقتراض أمراً غير واقعي.

وثانيها القدرة المستمرة على سداد الفوائد وخدمة الدين القائم خدمة الدين (أقساط + فوائد) تمثل عبئاً كبيراً على الموازنة وأي ارتفاع في أسعار الفائدة العالمية أو تراجع في موارد النقد الأجنبي يضغط على هذه القدرة.

وثالثها افتراض وجود استقرار إقليمي وعالمي تام بمعنى لا أزمات في البحر الأحمر أو مضيق هرمز، ولا صدمات نفطية او ارتفاع حاد في أسعار الفائدة العالمية ، وكذلك افتراض عدم تراجع تحويلات المصريين أو عائدات السياحة أو الاستثمار الأجنبي والواقع والتاريخ الحديث لمصر والمنطقة يثبت عكس ذلك فالصدمات متكررة 

ورابع العوامل المطلوبة لتحقيق أمنيتكم هو استمرار نمو الناتج المحلي بمعدلات تسمح بتحسن نسبة الدين إلى الناتج القومي ،  حكومتكم تؤكد أن نسبة الدين الخارجي إلى الناتج عادت إلى مستويات أكثر أماناً وهذا مؤشر ممتاز

ولكن السؤال ما الذي يعنيه المستهدف فعلياً؟

لانه من المهم التمييز بين «الدين الخارجي الإجمالي» و«دين أجهزة الموازنة» الطبيعي ان المستهدف المعلن يخص أجهزة الموازنة تحديداً وليس الدين الكلي الذي يشمل أيضاً البنك المركزي والبنوك والقطاع الخاص إلخ ، واكيد ان هذا التمييز يقلل من حدة الحساب البسيط لكنه لا يلغي جوهر المشكلة وهي انه حتى مع التركيز على جزء من الدين فإن وتيرة الخفض بطيئة جداً مقارنة بحجم الالتزامات.

اعود وأؤكد ان النجاح في خفض 6.5 مليار خلال ثلاث سنوات يُحسب لحكومتكم ويظهر أن السياسة ليست مجرد كلام ، لكن الوتيرة الحالية تعني أن الأجيال القادمة ستظل تحمل جزءاً كبيراً من هذا العبء الذي سنورثه لاولادنا وأحفادنا ، الدين ليس مجرد رقم محاسبي بل هو التزامات مستقبلية تؤثر على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري وعلى مرونة السياسة الاقتصادية في مواجهة الأزمات.

استأذنك يا دكتور يجب ان نتفق على ان الدول لا تسدد ديونها الخارجية عادة بـ«تصفير» مطلق خلال عقود قليلة ولكن  النموذج الأكثر استدامة من اربع نقاط

 خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي باستمرار.

 إطالة آجال الاستحقاق وتقليل الاعتماد على الدين قصير الأجل.

زيادة موارد النقد الأجنبي الحقيقية (صادرات، سياحة، تحويلات، استثمار أجنبي مباشر، عوائد أصول).

 ترشيد الاقتراض ليكون لأغراض إنتاجية وليس استهلاكية أو لسداد ديون سابقة فقط.

بمعنى آخر إذا نجحتم في تحقيق نمو حقيقي مستدام مع تحسين مناخ الاستثمار وزيادة الصادرات غير البترولية مع تحويل جزء أكبر من الدين إلى استثمارات أو مقايضات ديون فإن عبء الـ164 مليار يصبح أخف حتى لو استغرق السداد عقوداً ، ولن نورث أبناءنا وأحفادنا مشكلة بل حلولا ، أما إذا بقي الاعتماد الأساسي على الاقتراض الجديد لتغطية الاستحقاقات القديمة فسيظل الحساب البسيط (82 سنة) أقرب إلى الواقع المرير.

ان تصريحكم إيجابي في مجملة ويضع هدفاً واضحاً قابلاً للتنفيذ والبناء عليه ولكن الشفافية الكاملة تقتضي أن نعترف بصراحة ان هذا المسار طويل، ويفترض ظروفاً مواتية ويتطلب انضباطاً مالياً صارماً ونمواً اقتصادياً حقيقياً لا يعتمد على الاقتراض وبدون هذه الشروط، قد تتحول الـ٨٢ سنة إلى أضعاف هذا الرقم.

الدين الخارجي ليس مجرد رقم با هو اختبار حقيقي لقدرتنا على الحل وسمعة هذا الجيل بين الأجيال القادمة

السؤال الحقيقي ليس فقط «كم نخفض سنوياً؟» بل «هل نبني اقتصاداً ينتج ما يكفي لسداد ما عليه دون أن يرهن مستقبل الأبناء؟» 

ان تصريحكم يا دكتور يجب ان يشتمل على خطة تنمية مستدامة تهتم فيها الحكومة بالتعليم كركيزة أساسية لاي تنمية مستقبلية ، وعلى الصحة والتي تستنزف الكثير من جهد المصريين وتقلل زمن عطاؤهم وتثقل كاهل الموازنات العامة ، وتحسين المخرجات القومية من زراعة وصناعة وغيرها ، مع عدم الاعتماد على زيادة الأعباء الضريبية على المواطن

لتكن حكومتكم حكومة حماية لا جباية. حماية للناتج القومي بزيادة كفاءة قدرته على المنافسة، وحماية للمنتج الوطني بالصرف على مراكز البحث والتدريب وعلى العلم والعلماء. ولنأخذ العبرة من التاريخ وتجارب الدول، وسنغافورة كمثال.

الجباية سهلة فرض ضرائب جديدة أو رفع أسعار الخدمات أو زيادة الرسوم على كل معاملة يملأ الخزينة سريعاً لكنه لا يبني اقتصاداً ، أما الحماية الحقيقية فأصعب بكثير أن تخلق بيئة تجعل المنتج المصري قادراً على منافسة نظيره الأجنبي في الجودة والسعر والابتكار وأن تجعل العالم يبحث عن «صنع في مصر» لا أن يبحث المصري عن أي منتج مستورد لمجرد أنه مستورد.

حماية الناتج القومي لا تعني إغلاق الأسواق أو فرض حمائية عمياء تعني رفع كفاءة ما ننتجه وهذا لا يتحقق إلا بالاستثمار المستمر في ثلاثة محاور مترابطة البحث العلمي والتدريب المهني المتقدم ورعاية العلماء والمبتكرين.

مراكز البحث يجب أن تكون أولوية موازنية لا بنداً هامشياً المصانع تحتاج معامل تطوير، والجامعات تحتاج معامل حقيقية مرتبطة بالصناعة والدولة تحتاج مراكز بحثية وطنية في مجالات الطاقة المتجددة والزراعة الذكية والصناعات التحويلية والتكنولوجيا الطبية ، يا دكتور كل دولار تصرفه يعود مضاعفاً على المدى المتوسط، لأنه يقلل الاعتماد على الاستيراد ويرفع القيمة المضافة لما نصدره.

التدريب ليس دورات شكلية بل هو منظومة متكاملة تربط التعليم الفني بسوق العمل وتعيد تأهيل العمالة القائمة وتخلق جيلاً من الفنيين المهرة القادرين على تشغيل خطوط الإنتاج الحديثة وصيانتها وتطويرها ان الدول التي نجحت لم تنتظر أن يأتيها الاستثمار الأجنبي ليعلم عمالها هي التي جهزت العمالة أولاً فجاء الاستثمار يبحث عنها.

أما العلم والعلماء فهما رأس المال الحقيقي الذي لا ينضب ، العالم الذي يشعر أن بلده يقدره ويوفر له بيئة عمل محترمة وتمويلاً بحثياً وحرية في التفكير لن يهاجر والمبتكر الذي يجد تمويلاً لتحويل فكرته إلى منتج لن يبيع براءته للخارج الاستثمار في العقول أرخص وأضمن من أي صفقة دين جديدة.

ولتكن سنغافورة مثلا عندما استقلت سنغافورة عام 1965 كانت جزيرة فقيرة بلا موارد طبيعية تُذكر وتعاني البطالة والاضطرابات العرقية ، لم يكن لديها نفط ولا غاز ولا أراضٍ زراعية واسعة بل كان لديها قيادة أدركت مبكراً أن الثروة الوحيدة الممكنة هي الإنسان.

اختارت سنغافورة طريقاً واضحاً وهو بناء دولة كفؤة ونظيفة أولاً ثم الاستثمار المكثف في التعليم والتدريب وجذب الاستثمارات في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية وكان التركيز المستمر على البحث والتطوير ، لم تعتمد على الجباية الثقيلة بل على خلق بيئة تجعل الاستثمار الخاص والعام مربحاً ومستداماً.

ركزت على التعليم التقني والمهني بنفس قوة التركيز على التعليم الجامعي أنشأت معاهد متخصصة مرتبطة مباشرة باحتياجات الصناعة وشجعت الشركات على الإنفاق على البحث والتطوير من خلال حوافز ضريبية واضحة ووضعت مكافحة الفساد في صلب النظام لا كشعار والنتيجة معروفة تحولت من اقتصاد يقوم على الموانئ والتجارة البسيطة إلى مركز عالمي في الإلكترونيات والخدمات المالية واللوجستيات والتكنولوجيا الحيوية وارتفع نصيب الفرد من الناتج أضعافاً مضاعفة خلال عقود قليلة، دون أن تغرق في ديون خارجية خانقة.

الدرس ليس أن ننسخ سنغافورة حرفياً فمصر أكبر مساحة وسكاناً وعندها مقومات ولها تاريخ وموارد مختلفة ، ولكن الدرس أن الدولة التي تضع حماية قدرتها الإنتاجية في مقدمة أولوياتها وتستثمر في عقول أبنائها وفي كفاءتهم، تستطيع أن تخرج من دائرة الدين والاستدانة إلى دائرة النمو الذاتي.

من الجباية إلى البناء

الحكومة التي تعتمد على الجباية تظل أسيرة الدورة القصيرة تحتاج مالاً فترفع ضريبة أو رسماً فيتأثر الإنتاج والاستهلاك وتقل الإيرادات مرة أخرى فتكون الجباية سبب رئيسي لقلة الإيرادات ونعود إلى الجباية من جديد في حلقة مفرغة 

أما الحكومة التي تحمي الناتج القومي فهي تكسر هذه الدورة كل تحسن في تنافسية المنتج الوطني يوسع القاعدة الضريبية تلقائياً دون الحاجة إلى رفع المعدلات ، كل مصنع جديد يعمل بكفاءة أعلى يولد وظائف ودخلاً وصادرات وكل بحث علمي يتحول إلى منتج يقلل فاتورة الاستيراد ويزيد الموارد الدولارية.

الدين الخارجي الذي تحدثنا عنه سابقاً لن يُسدد في 82 سنة بالتقشف وحده أو بالجباية ولكن سيُسدد عندما ينمو الاقتصاد الحقيقي بمعدلات أعلى من نمو الدين وعندما تصبح موارد النقد الأجنبي نابعة من إنتاج وتصدير وابتكار لا من قروض جديدة.

لتكن السياسة الاقتصادية قائمة على سؤال واحد بسيط في كل قرار هل هذا الإجراء يحمي قدرتنا على الإنتاج والمنافسة أم أنه مجرد وسيلة لجمع مال سريع؟

الإجابة على هذا السؤال هي ما يفرق بين دولة تبني مستقبلاً ودولة تؤجل أزماتها إلى الجيل التالي.

التاريخ لا يرحم الحكومات التي اختارت الجباية على حساب البناء والعبرة من سنغافورة وغيرها واضحة الحماية الحقيقية للناتج القومي تبدأ من الاستثمار في الإنسان والعلم والكفاءة، لا من زيادة الأعباء على من ينتجون أصلاً ، وشكراً على سعة صدرك 

تم نسخ الرابط