لم أكن أتصور يوماً أنني سأكتب عن وفاة أمي الحبيبة الغالية علي قلبي ، فكيف يكتب الإنسان عن قطعة من روحه ونور بصره ؟ لم تكن لحظة فراق أمي رحمها الله سهلة بالنسبة لي بل كانت لحظات صعبة قاسية أدركت خلالها معني وقيمة ومكانة الأم ٠
كانت السند والضوء الذي ينور طريقي ، ودربي ، فأذا مرضت ترعاني ولا تنام حتي أنام، أتذكر أنها كانت تأتي إلى غرفتي ليلا بين الفينة والأخرى لتطمئن علي كنت حينها أتظاهر بالنوم كي يرتاح قلبها وتطمئن ، كانت تعلم ما ألذي أحبه و ما الذي أكره، تحس بي عندما أكون حزينا دون أن أتكلم فتحاول التخفيف عني بكلاماتها الحنينة التي تشفي الصدور٠
ارتبطت بأمي رحمها الله منذ طفولتي وبعد ما بلغت من العمر " خمسون " عاما كنت اشعر دائما أنني لا زلت طفلا صغيرا لا يريد أن يكبر ربما لأن كلامها وتعاملها معي كان كتعامل الأم مع طفل ذو خمس او عشر سنوات. هذا ما كان يجعلني دائما أشعر بالأمان والراحة . كانت تتصل بي يوميا ما بين ثلاث او خمس مرات في الصباح وقبل غروب الشمس للأطمئنان عني وتستفسر عن سلامتي وعن احوالي . فأذا شعرت بنبرة صوتي متغيرة تحزن وتغضب وتسألني ماذا حدث ؟ مين زعلك ؟ زعلان من ايه ؟ احكي لها سبب زعلي حتي اجدها تهون علي بكلامها الجميل ،
كانت تنتظر بشغف وتشوق اليوم الذي اعود فيه من القاهرة الي القرية لكي تأخذني في حضنها و إذا سافرت فكانت أول من يسأل عني حتي تطمئن انني وصلت بسلامة الله
كانت امي رحمها الله الحضن الدافىء الذي ارتمي فيه لأنسى هموم الدنيا ، وأشعر أنني ما زلت طفلاً لا يمسه سوء.، كانت الحضن الدافىء الذي ألجئ ألية كلما ضاقت بي السُبل. لم أكن بحاجة إلى تبرير حزني أو شرح مخاوفي، فبمجرد أن ألتجئ إليها، يتلاشى كل التعب ٠
تميزت امي" رحمها الله " بالطيبة والحنية والرحمة، والتسامح وحب الجميع ، كانت عونا للكثير من أهل القرية تقف دائمًا بجانبهم في الأوقات الصعبة. والأزمات لم تكسر بخاطر احد حين يطلب منها المساعدة ٠
اليوم وبعد رحيل أمي رحمها الله حدث تغير وكل شيئ تغيير لا يوجد معنى للدنيا
. وأصبحت تفاصيل الحياة مملة باردة، لا معنى ولا قيمة لها، حيث أصبح نهار اليوم كليله كلاهما متشابهان ظلاما. اليوم ، لم يعد هناك من ينتظرني كما كانت تنتظر، ولا من يسأل عني كما كانت تسأل، ولا من يحن كما تحن، ولا من يحب كما كانت تحب… اليوم رحل الحب والحنان والحضن رغما عني. أنا لا أريد ذالك، أو ربما لست قادرا على التأقلم مع هذا الوضع وهذا المتغير الجديد. لكن ليس لدي خيارا أخر، غير انا ارضي بقضاء الله وقدره
ذكريات القرية الدافئة
ارتبطت ب قرية" الحيبة " غرب النيل جنوب محافظة بني سويف التي نشأت فيها بأمي رحمها الله ، تلك القرية التي لها سحر خاص لا يشبه أي مكان آخر. ففي هذه القرية عشت اجمل سنين حياتي بفضل وجود أمي بها و نشأت وترعرعت وسط الطبيعة الخضراء، والحقول الواسعة، والهواء النقي، كانت الحياة في القرية هادئة بسيطة تعلمت منها معني القناعة والاعتماد على النفس. وقرب ، الناس من بعضهم، يعرفون بعضهم بعضًا، ويتشاركون أفراحهم وأحزانهم. فأهل القرية من أطيب الناس وأكرمهم، قلوبهم بسيطة ونواياهم صافية. تجد بينهم المحبة والتعاون، فإذا كان عند أحدهم فرح فرحوا معه، وإذا اصابة حزن حزنو معه ووقفوا بجانبه وساعدوه بما يستطيعون. الضيف عندهم له مكانة كبيرة، وإكرام الضيف عادة متأصلة فيهم، والكلمة الطيبة عندهم لها قيمة كبيرة.
تعلمت منذا نشأتي في قرية " زرابي" الحيبة علي يد الوالدين رحمهما الله احترام الكبير، ومساعدة المحتاج، وتقدير الجار، والوقوف بجانب الأهل والأصدقاء. كما تعلمت أن السعادة ليست في كثرة المال أو امتلاك الأشياء، وإنما في راحة القلب، ووجود أشخاص يحبوننا بصدق، وحياة بسيطة مليئة بالمودة.
في القرية عشت اجمل ذكريات الطفولة ، حيث اللعب مع الاصدقاء بين" الغيطان "، والجلوس مع الأهل في المساء، ورائحة الخبز والطعام البيتي، وصوت الطيور في الصباح. كلها ذكريات تظل محفورة في الوجدان ٠
أجمل ما تمنحه النشأة الريفية اننا نكبر ونحن نعرف قيمة الإنسان، ونقدر االكبير ونحافظ على صلة الرحم والجيرة. فمهما تغيرت الحياة وكبرنا وابتعدنا، تبقى طيبة أهل الريف وبساطة حياتهم ودفء ذكرياتهم شيئًا لا يُنسى.
تظل النشأة الريفية مدرسة للحياة، تعلمنا أن الطيبة ليست ضعفًا، وأن الكرم ليس له ثمن، وأن أجمل ما يملكه الإنسان قلبه الطيب وعلاقته الطيبة بمن حوله. ولذلك تبقى ذكريات الريف وأهله الطيبين محفورة في القلب مهما ابتعدنا عنهم. ومهما مرت السنوات، ومهما عشنا في عاصمة التحضر القاهرة وسط مبانيها التاريخية الساحرة. ونطاحات سحابها الا ان النشأة الريفية تظل جزءًا جميلًا من حياتنا ٠
نعلم جميعا بأن الموت يأتي فجأة بدون مقدمات وبدون سابق إنذار، مفرقا بين الأهل والأحبة، بين الطفل وأمه بين الابن وابيه . أحيانا لا يحزننا حدث الموت لأنه قدر و حقيقة حتمية وطريق مهما طال لا بد من نهايته ، ولكن يحزننا فراق الأحبة بدون وداع، تحزننا كل الأفعال الجميلة التي أجلت للغد، وكل المقابلات واللقاءات التي لم يكتب لها أن تتم. فتتملكنا الاحزان علي كل حدث وفعل مأجل، نتوه بين ألم الفراق والاشتياق . فيأخذنا الحنين إلى الماضي بكل تفاصيله واحداثه الجميلة، لكننا في نفس الوقت لا نستطيع التخلص من حقيقة الحاضر المئلمة، الحاضر بمشاعره التائهة والتي تبحث عن عناق لا يمكن أن يحدث،
في النهاية لا اجد سوي كلمات الكاتب والروائي غسان كنفاني وإنني لا أَملكُ شيئًا ثمينًا سِوى أمي .. أمي هي روحي هي نبض قلبي هي حلاوة الدنيا بدونها لا أنا لا شيء ، مهما قلت ومهما فعلت لن أوفيك حقك٠
"وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا" صدق الله العظيم٠




