و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

مستندات تحت الأنقاض

معركة الفلسطينيين لإثبات ملكية الأراضي.. من الحاكم المصري إلى حكومة حماس

موقع الصفحة الأولى

لم يعد الركام في قطاع غزة يخفي فقط ذكريات أصحاب المنازل من الفلسطينيين، بل يخفي أيضًا مستندات قد تحدد مستقبل حقهم في الأرض. وبين الأنقاض، يخوض الفلسطينيون معركة موازية للحرب: البحث عن عقد ملكية، أو فاتورة كهرباء، أو إخطار بلدي، أو شهادة جار، لإثبات أن الأرض التي يقفون فوقها كانت يومًا ملكًا لهم.
وتكشف صحيفة فايننشال تايمز البريطانية جانبًا من هذه المعركة، في ظل مخاوف فلسطينية من مخططات قد تعيد رسم الخريطة السكانية والعمرانية للقطاع.
في خان يونس، فقد محمد الأغا منزله المكون من أربعة طوابق، بعدما دمره قصف إسرائيلي ودفنت الأنقاض مستندات ملكيته. لكنه لم يتخل عن حقه، وبعد نحو عامين من البحث تمكن من الحصول على وثيقة من بلدية خان يونس، استُخرجت من سجلات رقمية مرتبطة بطلب بناء قديم.
الوثيقة تضمنت رقم الأرشيف وحدود الأرض وأبعاد المبنى وطوابقه، لتصبح دليلًا رسميًا على ملكية الأسرة للعقار.
وتعكس قصة الأغا واقع مئات الآلاف من سكان غزة الذين نزح أكثر من 1.9 مليون منهم، بينما فقد كثيرون عقود الملكية والمستندات أثناء عمليات النزوح، أو لم تكن لديهم وثائق رسمية مكتملة من الأساس.
وزادت عمليات التدمير الواسعة من صعوبة تحديد مواقع المنازل والأراضي، بعدما تحولت أحياء كاملة إلى أنقاض يصعب حتى على سكانها من الفلسطينيين التعرف إليها.

يحذر محمد السقا، المحامي في المركز الفلسطيني للتنمية المجتمعية والإعلام في غزة، من أن الوقت ينفد، موضحًا أن الخدمات البيروقراطية المحدودة المتاحة حاليًا قد تختفي، كما أن المحامين أو الموظفين الذين يحتفظون بنسخ من العقود قد يفقدون حياتهم.
وترتبط هذه المخاوف بذاكرة فلسطينية أقدم، إذ احتفظ اللاجئون بمفاتيح منازلهم التي غادروها عام 1948 باعتبارها رمزًا لحق العودة. واليوم، يسعى سكان غزة إلى الحفاظ على أي دليل يثبت حقهم في الأرض، وسط مخاوف من الترحيل القسري أو فرض تغييرات دائمة على بعض المناطق.

ملكيات قديمة وخرائط جديدة

وفق ما نقلته «فايننشال تايمز» عن مصادر مطلعة، شهد مركز التنسيق المدني-العسكري الذي أنشأته الولايات المتحدة بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025 مناقشات بشأن ملكية الأراضي التي يمكن استخدامها في مشروعات مستقبلية.
وأشارت المصادر إلى أن المخططين فوجئوا بضرورة مراعاة حقوق الملكية الفلسطينية قبل إقامة منشآت جديدة.
كما اطلعت الصحيفة على خريطة هندسية أمريكية استخدمت في المركز أواخر عام 2025، تضمنت تصورًا لمجمع سكني مؤقت ومناطق أمريكية مخططًا لها في رفح، على أراضٍ عامة وخاصة وأخرى غير مصنفة.

لا تعود أزمة توثيق الملكية إلى الحرب الأخيرة فقط؛ فالمنظومة العقارية في غزة تشكلت عبر عهود متعاقبة، من الحكم العثماني إلى الانتداب البريطاني ثم الإدارة المصرية وقت الحاكم العسكري المصري. 
وتوجد أراضٍ ما زالت مرتبطة بسجلات تعود إلى فترات تاريخية قديمة، بينما تستند ملكيات أخرى إلى عقود بيع وتقسيط تعود إلى خمسينيات القرن الماضي لصالح الفلسطينيين.
وتشير التقديرات إلى أن نحو ثلث العقارات الخاصة غير مسجل رسميًا لدى دائرة الأراضي «الطابو»، ما يزيد صعوبة إثبات الملكية في حال فقدان الوثائق.
وبعد تعرض مقر الدائرة للقصف وفقدان عدد من المستندات، أصبح الأرشيف الرقمي طوق نجاة. وبحسب رئيس الدائرة عماد الباز، كانت عملية الرقمنة قد اكتملت إلى حد كبير قبل اندلاع الحرب بنحو سبعة أشهر، ما أتاح استخراج نسخ من بعض السجلات.
في غياب العقود الأصلية، يلجأ المحامون إلى ما يصفه نضال جرادة من جامعة الكلية الجامعية للعلوم التطبيقية بـ«كوكبة الأدلة»، عبر جمع شهادات الجيران وأحكام المحاكم القديمة وصور العقارات وفواتير الخدمات والإخطارات البلدية في ملف واحد.
وفي جباليا، يعيش ميسرة دانيال مأساة تختصر هذه القضية؛ فقد هُجرت عائلته من قرية يبنا عام 1948، واحتفظت بمفتاح منزلها القديم، قبل أن يفقد هو منزله في مخيم جباليا تحت أنقاض الحرب.
وبين مفتاح قديم ووثيقة رقمية وفاتورة كهرباء، تتواصل معركة الفلسطينيين لإثبات حقهم في الأرض. فى حين تختفي البيوت، تصبح الوثيقة آخر ما تبقى من المكان.. وربما أول خطوة لاستعادته.

تم نسخ الرابط