و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

خبير نفسي يفسر سلوك المسؤول

بعد واقعة محافظ القليوبية.. عندما تتحول جولات المحافظين إلى محاكمات أمام الكاميرا

موقع الصفحة الأولى

باتت جولات المحافظين الميدانية مجرد زيارات تفقدية لمتابعة مستوى الخدمات أو رصد المشكلات على الأرض، بل أصبحت في بعض الأحيان مشاهد يومية تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تحولت لحظات اكتشاف المخالفات إلى مواجهات علنية، يتصدر فيها المسؤول المشهد، بينما يقف الموظف أو مدير المنشأة في مواجهة الكاميرات.

وقد فجرت واقعة محافظ القليوبية الأخيرة حين تفتيشه على احد المدارس أزمة في سلوك المحافظين، حيث تعد هذه الواقعة الأحدث والأكثر تداولاً، حيث قام المحافظ د. حسام عبد الفتاح بجولة مفاجئة قبيل بدء العام الدراسي، وتوبيخ مديرة مدرسة الشهيد أحمد سمير، بسبب رصد قمامة ومخلفات طعام داخل أحد الفصول، قائلاً لها: "إزاي أعلّم الطلاب النظافة والمكان وسخ؟".

ومن جانبها دافعت المديرة عن نفسها وأوضحت أنها قامت بإدخال المرافق الأساسية (مياه، كهرباء، وصرف صحي) للمدرسة على نفقتها الخاصة نتيجة بطء الإجراءات الرسمية، ليرد المحافظ: "متفهمنيش إنك بتصرفي على الدولة".

كما انتقد المحافظ مدير مدرسة برقطا الابتدائية لظهوره بملابس غير رسمية (جلباب)، رداً على ذلك أوضح المدير أنه جاء مسرعاً وكان يشارك بنفسه في أعمال النظافة والتجهيزات لعدم وجود عمال كافيين.

ومن جانبها، أعلنت نقابة المعلمين استنكارها الشديد لأسلوب التعامل الذي اعتبرته غير لائق، وطالبت بوضع إطار يحمي كرامة المعلمين.

 وفجرت واقعة محافظ القليوبية، سلوك المحافظين أمام كاميرات الإعلام، والسؤال هنا لا يتعلق بحق المحافظ في محاسبة المقصرين، فهذا جزء أصيل من مسؤوليات الإدارة المحلية، وإنما بكيفية ممارسة هذه المحاسبة: هل يكون التوبيخ أمام الجمهور وسيلة فعالة لفرض الانضباط، أم يتحول إلى محاكمة إعلامية تسبق التحقيق الإداري؟

الجولات المفاجئة أصبحت إحدى الأدوات الرئيسية التي تستخدمها المحافظات لمتابعة مستوى الخدمات. وتظهر بيانات المحافظات استمرار هذا النهج بصورة واسعة؛ فعلى سبيل المثال، توثق البوابة الرسمية لمحافظة القاهرة عشرات الجولات خلال 2026 لمتابعة النظافة والطرق والمرافق والأسواق ومستوى الخدمات.

وفي بعض الحالات، تنتهي الجولة بقرارات إدارية مباشرة ففي إحدى جولات محافظ القاهرة، صدرت قرارات بنقل مسؤولين بسبب تدني مستوى النظافة، إلى جانب توقيع غرامة على شركة النظافة العاملة بالمنطقة.

وتبدو الصورة هنا إيجابية من زاوية الرقابة: مسؤول ينزل إلى الشارع، يكتشف الخلل، ويصدر قرارًا لمعالجته.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح لحظة اكتشاف الخطأ نفسها هي الحدث الرئيسي، ويحتل التوبيخ العلني مساحة أكبر من معالجة الخلل.

وقائع مماثلة 

من أبرز الوقائع التي كشفت حساسية هذا الملف، واقعة طبيبة مستشفى المراغة بسوهاج في يوليو 2024، وخلال جولة تفقدية مفاجئة، رصد محافظ سوهاج آنذاك مخالفات ومشكلات في المستشفى، واتخذ قرارات بحق بعض المسؤولين، لكن مشهد توبيخ إحدى الطبيبات خلال الجولة انتشر بصورة واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحول من واقعة إدارية داخل مستشفى إلى قضية رأي عام.

وتدخل رئيس الوزراء آنذاك مصطفى مدبولي، مؤكدًا أن محاسبة المقصرين يجب أن تتم، لكن «دون تجاوز بأي شكل»، قبل أن يقدم اعتذارًا للطبيبة، فيما التقى بها المحافظ لاحقًا وقدم لها اعتذارًا أيضًا.

القضية كشفت مفارقة مهمة: قد يكون المسؤول محقًا في اكتشاف التقصير، لكنه قد يفقد جزءًا من قوة موقفه إذا تحولت المحاسبة إلى إهانة علنية.

في أغسطس 2025، أثار مقطع لمحافظ المنيا أثناء توبيخه مدير مدرسة خلال جولة تفقدية جدلًا واسعًا. كان المحافظ يعترض على تحويل فصل دراسي إلى مكتب إداري، معتبرًا الأمر مخالفة لاستخدام مساحة تعليمية. لكن طريقة المواجهة أمام الكاميرا أعادت إلى الواجهة الجدل حول حدود سلطة المسؤول وطريقة ممارسته لها.

وفي واقعة أخرى، أجرى محافظ قنا، اللواء الدكتور مصطفى الببلاوي، جولة مفاجئة داخل مستشفى نقادة المركزي، وصبّ جام غضبه على الإدارة بعد رصده تدني مستوى النظافة وإهمال الأقسام الحيوية مثل الحميات والغسيل الكلوي. وظهر المحافظ في مقطع فيديو وهو يعنف مدير المستشفى أمام الكاميرات قائلاً: "المحافظ جايلك في زيارة يدخل على زبالة؟"،

وبعيدًا عن تقييم كل واقعة على حدة، تكشف هذه الحالات أن الكاميرا أصبحت طرفًا غير مباشر في عملية المحاسبة.

فما كان في الماضي اجتماعًا مغلقًا أو تحقيقًا إداريًا، أصبح اليوم مقطعًا مدته دقائق، يمكن أن ينتشر خلال ساعات إلى ملايين المشاهدات.

أنصار أسلوب التوبيخ العلني يرون أن المسؤول التنفيذي يحتاج أحيانًا إلى إظهار الحزم، خصوصًا في مواجهة الإهمال الذي يمس مصالح المواطنين مباشرة.

كما أن الجولات المفاجئة يمكن أن تكشف فجوة بين التقارير المكتبية والواقع. وقد أشارت تغطيات صحفية حديثة إلى قرارات إحالة وتحقيقات اتخذت عقب جولات ميدانية للمحافظين، بما يؤكد أن هذه الزيارات ليست مجرد استعراض إعلامي في كل الحالات.

الردع بلا إهانة 

لكن في المقابل، فإن الردع لا يعني بالضرورة الإهانة، فالموظف المخطئ يمكن التحقيق معه، وإحالته إلى الشؤون القانونية، ووقفه عن العمل أو توقيع الجزاء المناسب وفقًا للقواعد. أما إصدار حكم علني أمام الكاميرات قبل اكتمال التحقيق، فقد يخلط بين ثلاثة أدوار مختلفة: الرقابة، والتحقيق، والعقوبة.

المشكلة الأكبر ليست في وجود الإعلام خلال الجولة، وإنما في أن يصبح التصوير عنصرًا مؤثرًا في طريقة إدارة المواجهة.

سلوك المسؤول 

من جانبه، يرى عمر السعدني، أخصائي علاج الاضطرابات النفسية والسلوكية، أن وجود الكاميرا قد يدفع المسؤول، بصورة واعية أو غير واعية، إلى إظهار قدر أكبر من الحزم، لأن المشهد يقدم أيضًا صورة عن شخصيته القيادية. 

وقال السعدني لـ الصفحة الأولى: هذا لا يعني تلقائيًا أن الهدف هو «الشو الإعلامي»، لكنه يفتح الباب أمام سؤال مشروع: هل الكاميرا توثق المحاسبة أم تؤثر في طريقة ممارستها؟، وتفسيرات  علم النفس الاجتماعي تؤكد أن الإنسان يتصرف بصورة مختلفة عندما يعرف أنه تحت المراقبة، وقد يصبح السلوك أكثر حدة أو استعراضًا أمام جمهور كبير.

عمر السعدني، أخصائي علاج الاضطرابات النفسية والسلوكية

وأضاف السعدني: لكن الفارق بين الحزم والاستعراض يمكن قياسه بما يحدث بعد انتهاء التصوير، فإذا تبع التوبيخ تحقيق رسمي، وإجراء قانوني، وإصلاح للمشكلة، فنحن أمام ممارسة رقابية، أما إذا انتهى الأمر عند لحظة التوبيخ وانتشار الفيديو، فقد يتحول المشهد إلى أداء رمزي للسلطة أكثر منه محاسبة مؤسسية.

وأشار السعدني أن هذه المشاهد تحقق إشباعًا نفسيًا لدى المواطن الذي يشعر أن المسؤول «ينتصر له» في مواجهة الإهمال، لكن الخطر أن يصبح معيار نجاح المحافظ هو حدة التوبيخ، بدلًا من نتائج الإصلاح.

وأكد أن القيادة الفعالة لا تقاس بارتفاع الصوت، وإنما بقدرتها على تحويل الخطأ إلى إصلاح، والمحاسبة إلى تحسين مستدام للخدمة.

تم نسخ الرابط