فقدان الثقة في النخب التقليدية
المتطرفون يحكمون العالم.. إسرائيل وأمريكا في قبضة ترامب ونتنياهو والبديل لألمانيا ولوبان لفرنسا
بات العالم اليوم في قبضة عدد من الزعماء الأكثر تطرفا على الساحة السياسية العالمية، فلم يعد صعود اليمين القومي والشعبوي في عدد من الدول الكبرى ظاهرة هامشية أو موجة انتخابية عابرة، بل أصبح تحولًا سياسيًا يعيد رسم خريطة السلطة والنفوذ. فمن إسرائيل إلى الولايات المتحدة، ومن ألمانيا إلى فرنسا، تتقدم قوى سياسية تضع الأمن والحدود والهوية الوطنية في مقدمة أولوياتها، مستفيدة من أزمات اقتصادية ومخاوف اجتماعية وانهيار متزايد في الثقة بالأحزاب التقليدية.
في إسرائيل، يمثل بنيامين نتنياهو أبرز وجوه اليمين السياسي، وقد ارتبطت حكوماته بتحالفات مع أحزاب قومية ودينية أكثر تشددًا، ومع الحرب في غزة وتصاعد التوترات الأمنية، أصبح خطاب «الأمن أولًا» أكثر حضورًا في السياسة الإسرائيلية.
ويؤكد أنصار نتنياهو أن إسرائيل تواجه تهديدات وجودية تستوجب القوة والحزم، بينما يتهمه منتقدوه بتعميق الانقسام الداخلي، وتشجيع سياسات أكثر تشددًا تجاه الفلسطينيين، وتوسيع نفوذ اليمين الديني والقومي.
أما في الولايات المتحدة، فقد أحدث دونالد ترامب تحولًا عميقًا داخل اليمين الأمريكي فملفات الهجرة والحدود والتجارة والهوية الوطنية والسياسة الخارجية أصبحت محاور رئيسية في خطابه.

ولا يمكن اختزال ظاهرة ترامب في شخصه فقط؛ إذ تقف خلفه قطاعات من الناخبين تشعر بأن النخب السياسية والاقتصادية لم تعد تمثلها. ومع ذلك، فإن وصف جميع مؤيديه بالمتطرفين سيكون تبسيطًا؛ فقاعدته تضم محافظين تقليديين ومستقلين وناخبين من الطبقة العاملة، إلى جانب تيارات أكثر تشددًا.
أحزاب أوروبية متطرفة
وفي ألمانيا، يمثل حزب «البديل من أجل ألمانيا» (AfD) أحد أبرز مؤشرات التحول السياسي. فقد استفاد من الغضب بشأن الهجرة واللجوء، وارتفاع تكاليف المعيشة، والطاقة، وأزمة الاقتصاد، والحرب في أوكرانيا.
ويواجه الحزب انتقادات حادة واتهامات بالتطرف من جانب خصومه ومؤسسات ألمانية، بينما يقدم نفسه باعتباره مدافعًا عن السيادة الوطنية وتشديد قوانين الهجرة والحدود. وصعوده كشف عن تراجع قدرة الأحزاب التقليدية على احتكار أصوات الناخبين.

وفي فرنسا، تحولت مارين لوبان وحزب «التجمع الوطني» إلى قوة انتخابية رئيسية تنافس بقوة لحسم الانتخابات لصالحها وتؤيدها المؤشرات الأولية، واستفاد الحزب من قضايا الهجرة والأمن والهوية وتكاليف المعيشة، وسعى في الوقت نفسه إلى إعادة تقديم نفسه بصورة أكثر قبولًا لدى الناخب الفرنسي.
ورغم اختلاف السياقات بين الدول الأربع، فإن القاسم المشترك واضح: الهجرة، والهوية الوطنية، والأمن، والاقتصاد، وأزمة الثقة في المؤسسات التقليدية.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت بدورها دورًا محوريًا في هذا التحول عبر العالم . فالخطاب السياسي القائم على الغضب والخوف والرسائل القصيرة يجد طريقه إلى ملايين الناخبين بسرعة، بينما تواجه الأحزاب التقليدية صعوبة في منافسة خطاب شعبوي يقدم حلولًا مباشرة لمشكلات معقدة.

كما لعب الاقتصاد دورًا أساسيًا. فارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والسكن، وتراجع القوة الشرائية، والقلق بشأن الوظائف، كلها عوامل دفعت بعض الناخبين إلى معاقبة الأحزاب الحاكمة والتوجه نحو خيارات سياسية أكثر تشددًا.
ناخب غاضب
من جانبة يرى الدكتور أيمن سمير، خبير العلاقات الدولية، أن العالم يشهد صعودًا غير مسبوق للخطاب القومي والشعبوي واليميني المتشدد، وانتقال بعض الأفكار التي كانت هامشية إلى قلب النقاش السياسي.
وقال سمير في تصريح خاص لـ الصفحة الأولى: الخطر الحقيقي لا يكمن في وصول اليمين إلى السلطة بحد ذاته، فالانتخابات هي جوهر الديمقراطية، وإنما في مدى احترام أي حكومة للقواعد الدستورية، واستقلال المؤسسات، وحقوق الأقليات، والتداول السلمي للسلطة.
وأشار إلى أن إن صعود نتنياهو وترامب ولوبان و«البديل» الألماني لا يمثل ظاهرة واحدة متطابقة، لكنه يعكس تحولًا أكبر: ناخب غاضب، فقد الثقة في النخب التقليدية، ويبحث عن إجابات أكثر حدة لقضايا الأمن والهجرة والاقتصاد والهوية.
وطرح سمير تساؤلا: هل تستطيع القوى السياسية التقليدية استعادة ثقة الناخبين ومعالجة أسباب هذا الغضب، أم أن اليمين القومي والشعبوي سيواصل الانتقال من هامش السياسة إلى مركزها؟







