و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

فجوة المؤشر الرسمي وغلاء المعيشة

التضخم يعود من الباب الخلفي.. لماذا لا يشعر المواطن بانخفاض الأسعار رغم أرقام الحكومة؟

موقع الصفحة الأولى

بينما تتحدث البيانات الرسمية عن استقرار نسبي في حركة الأسعار، وربما تراجع أسعار بعض السلع، يعيش المواطن المصري مفارقة اقتصادية واضحة: يذهب إلى السوق فلا يجد الانخفاض الذي يسمعه في نشرات الأخبار، بينما تظل فاتورة الغذاء والمواصلات والسكن والخدمات أثقل من قدرته الشرائية.

فهل هناك فجوة بين «التضخم» كما تقيسه المؤسسات الرسمية و«الأسعار» كما يراها المواطن؟ وهل عاد التضخم بالفعل من الباب الخلفي، رغم مؤشرات الاستقرار الشهري؟

وفي أحدث بيانات البنك المركزي المصري تكشف أن التضخم الحضري السنوي ارتفع إلى 14.9% في يوليو 2026، مقابل 14.3% في يونيو، بينما بلغ التضخم الأساسي 14.7% مقابل 14.3%. لكن اللافت أن التغير الشهري للتضخم الحضري سجل صفرًا في يوليو.

وإذا كان التضخم عند مستوى «صفر شهريًا» لا يعني أن الأسعار انخفضت، وإنما يعني ببساطة أنها لم ترتفع في المتوسط خلال ذلك الشهر، أما على أساس سنوي، فإن الأسعار ما زالت أعلى بنحو 14.9% من مستوياتها قبل عام في سلة التضخم الحضري.

والأهم أن البنك المركزي نفسه أوضح أن ارتفاع التضخم السنوي في يوليو تأثر بما يسمى «أثر الأساس»، في حين جاءت حركة الأسعار الشهرية أكثر هدوءًا.

وحول الطرف الأهم في المعادلة وهو المواطن ولماذا لا يشعر المواطن بالانخفاض؟، فالإجابة ا تكمن في الفرق بين انخفاض التضخم وانخفاض الأسعار، بمعنى لو ارتفع سعر سلعة من 10 إلى 15 جنيهًا، ثم استقر عند 15 جنيهًا لمدة عام، فإن التضخم الناتج عن هذه السلعة قد يتراجع بمرور الوقت، لكن المواطن لن يدفع 10 جنيهات مرة أخرى.

وهذا تحديدًا ما يفسر جانبًا من الفجوة بين المؤشر الرسمي والإحساس اليومي بغلاء المعيشة.

وتشير تحليلات اقتصادية إلى أن انخفاض التضخم لا يمحو الخسائر السابقة في القوة الشرائية؛ فالمستهلك قد يسمع أن التضخم تراجع، ثم يذهب إلى السوق ليجد أن الطعام والنقل والإيجارات وغيرها لا تزال عند مستويات أعلى كثيرًا من سنوات سابقة.

الغذاء.. كلمة السر 

ولا يزال الغذاء يحتل موقعًا مختلفًا في وعي الأسرة المصرية، فالأسرة لا تشتري «سلة إحصائية» وإنما تشتري يوميًا الخبز والأرز والزيت واللحوم والدواجن والخضروات والألبان.

وتظهر بيانات البنك المركزي لشهر يوليو أن أسعار الفواكه والخضروات شهدت تغيرًا شهريًا بالسالب 0.5%، لكن معدل تغيرها السنوي ظل مرتفعًا عند 31.5%.

وهذا الرقم يكشف جانبًا مهمًا من الأزمة: حتى عندما تنخفض بعض الأسعار في شهر معين، فإنها قد تظل أعلى بكثير من مستواها قبل عام. 

كما أظهرت بيانات الجهاز المركزي أن مجموعة الغذاء والمشروبات شهدت انخفاضًا شهريًا في يوليو، مدفوعة خصوصًا بتراجع أسعار اللحوم والدواجن.

لكن انخفاض سعر بعض المكونات لا يعني بالضرورة انخفاض تكلفة «سلة الأسرة» بأكملها.

المؤشر الرسمي يحسب متوسط تغير مجموعة واسعة من السلع والخدمات، بأوزان مختلفة، أما المواطن فينظر إلى عدد محدود من البنود التي تستحوذ على الجزء الأكبر من دخله.

أسرة تنفق نسبة كبيرة من دخلها على الطعام والسكن والمواصلات ستشعر بالتضخم بصورة مختلفة عن أسرة تنفق نسبة أكبر على التعليم أو الترفيه أو الخدمات المالية.

ومن هنا تنشأ فجوة بين «التضخم الإحصائي» و«التضخم الذي تشعر به الأسرة».

وهذه ليست بالضرورة مشكلة في طريقة حساب المؤشر؛ وإنما نتيجة طبيعية لاختلاف سلة استهلاك كل أسرة عن السلة المتوسطة المستخدمة في الحسابات الرسمية.

تسلل «التضخم»

المؤشرات الحالية لا تعني عودة مصر إلى موجة تضخمية كالتي شهدتها البلاد في ذروة الأزمة، لكنها تشير إلى استمرار مصادر ضغط يمكن أن تعيد إشعال الأسعار.

فالبنك المركزي أبقى في أغسطس أسعار الفائدة الأساسية دون تغيير، عند 19% للإيداع و20% للإقراض، مشيرًا إلى استمرار المخاطر الصعودية على مسار التضخم، بينها التوترات الإقليمية واحتمال انتقال تأثير إجراءات ضبط المالية العامة إلى الأسعار.

كما أشار إلى أن أسعار الطاقة والسلع الزراعية عالميًا أصبحت أكثر عرضة للتقلب نتيجة التوترات الجيوسياسية ومشكلات الإمدادات والطقس.

وعلى المستوى العالمي، ارتفع مؤشر منظمة الأغذية والزراعة «فاو» لأسعار الغذاء في أغسطس 2026 إلى أعلى مستوى له منذ أواخر 2022، مدفوعًا بارتفاع أسعار الحبوب والسكر والزيوت واللحوم ومنتجات الألبان.

وبالتالي فإن أي موجة جديدة في أسعار الغذاء أو الطاقة عالميًا يمكن أن تنتقل إلى السوق المصرية، خصوصًا في اقتصاد يعتمد بدرجات مختلفة على الواردات ومدخلات الإنتاج المستوردة.

وتظل تكلفة الاستيراد وسعر الصرف من أهم المتغيرات التي تحدد تكلفة العديد من السلع ومدخلات الإنتاج.

وتشير دراسة للبنك المركزي إلى أن انخفاض قيمة الجنيه بنسبة 1% يمكن أن يرفع التضخم العام بنحو 0.18 نقطة مئوية في المتوسط، ما يوضح حساسية الأسعار المحلية لتحركات العملة.

 وهذا يعني أن استقرار سعر الصرف لا ينعكس بالضرورة فورًا على أسعار التجزئة، كما أن أي ضغوط جديدة على العملة يمكن أن تظهر في الأسعار بعد فترة زمنية.

تم نسخ الرابط