بلغت 47.3 مليار دولار في عام واحد
تحويلات المصريين بالخارج.. هل أصبحت «صمام الأمان الوحيد» للاقتصاد ضد صدمات الدولار؟
لم تعد تحويلات المصريين بالخارج مجرد مصدر دخل للأسر التي لديها أفراد يعملون في دول أخرى، وإنما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أهم روافد النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، خصوصًا في ظل الضغوط التي تعرضت لها مصادر أخرى للعملة الصعبة.
ومع وصول التحويلات إلى مستويات قياسية، يطرح السؤال نفسه: هل أصبحت تحويلات المصريين بالخارج بالفعل «صمام أمان» للاقتصاد، أم أن الاعتماد المتزايد عليها يخفي تحديات هيكلية؟
تكشف بيانات البنك المركزي المصري عن حجم التحول؛ إذ سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال السنة المالية 2025/2026 نحو 47.3 مليار دولار، مقابل 36.5 مليار دولار خلال السنة المالية السابقة، بزيادة بلغت نحو 29.6%.
كما سجلت التحويلات خلال يونيو 2026 نحو 4.2 مليار دولار مقابل 3.6 مليار دولار في يونيو 2025، بزيادة 15.6%.
وكانت التحويلات قد سجلت خلال السنة الميلادية 2025 نحو 41.5 مليار دولار، مقابل 29.6 مليار دولار في 2024، بزيادة بلغت نحو 40.5%.
هذه الأرقام تضع تحويلات المصريين بالخارج في صدارة مصادر النقد الأجنبي، وتمنحها أهمية تتجاوز كونها أموالًا يتم تحويلها إلى أسر داخل مصر.
لا تعني القفزة القياسية بالضرورة زيادة دخول المصريين بالخارج بنفس النسبة، إذ يرجع جانب مهم منها إلى عودة التحويلات إلى القنوات المصرفية الرسمية بعد تراجع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والسوق الموازية.
فمع تبني سعر صرف أكثر مرونة في مارس 2024، واتخاذ إجراءات للحد من السوق الموازية، أصبح تحويل الأموال عبر البنوك والقنوات الرسمية أكثر جاذبية للمصريين بالخارج.
كما ساهم ارتفاع قيمة الدولار أمام الجنيه في زيادة القيمة بالجنيه للأموال المحولة، إلى جانب عوامل أخرى مثل تغير دخول العمالة المصرية بالخارج وزيادة احتياجات الأسر داخل مصر.
تكمن أهمية التحويلات في أنها توفر تدفقات مستمرة من العملات الأجنبية يمكن أن تساعد في تمويل احتياجات الاقتصاد، وعلى رأسها الواردات والالتزامات الخارجية.
وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن التدفقات القياسية للتحويلات، إلى جانب قوة الإيرادات السياحية والتعافي التدريجي لإيرادات قناة السويس، ساعدت في احتواء الضغوط على الحساب الجاري المصري خلال السنة المالية 2025/2026.

صدمات الدولار
وتزداد أهمية التحويلات في ظل تعرض بعض مصادر النقد الأجنبي الأخرى لتقلبات؛ فقناة السويس تأثرت بأزمة الملاحة في البحر الأحمر، بينما تظل السياحة والاستثمارات الأجنبية المباشرة أكثر ارتباطًا بالظروف الاقتصادية والجيوسياسية العالمية، وبالتالي أصبحت التحويلات أشبه بـوسادة أمان أمام صدمات نقص الدولار.
لا ينتهي تأثير التحويلات بمجرد دخول الدولار إلى الجهاز المصرفي، فالأموال تصل إلى الأسر وتستخدم في الغذاء والسكن والتعليم والعلاج والسلع والخدمات، أو تتحول إلى مدخرات واستثمارات.
وهنا تظهر إحدى أهم القضايا الاقتصادية: هل تتحول هذه المليارات إلى إنتاج، أم يذهب معظمها إلى الاستهلاك؟
إذا اتجهت نسبة كبيرة من التحويلات إلى الاستهلاك، فإنها تدعم الطلب داخل السوق، لكنها لا تضيف بالضرورة طاقات إنتاجية جديدة. أما توجيه جزء منها إلى المشروعات الصغيرة أو الاستثمار العقاري والإنتاجي والأدوات الادخارية، فيمكن أن يمنحها تأثيرًا أكبر على النمو.
مخاطر الاعتماد عليها
رغم أهميتها، فإن الاعتماد على تحويلات المصريين بالخارج وحدها يحمل مخاطر، فالتحويلات مرتبطة في النهاية بوجود ملايين المصريين في أسواق عمل خارجية، وأي تغير في أوضاع تلك الأسواق أو سياسات التوطين أو الطلب على العمالة الأجنبية يمكن أن يؤثر في التدفقات.

كما أن الاعتماد المفرط عليها قد يضعف الحاجة الملحة إلى تطوير مصادر أخرى أكثر استدامة للعملة الأجنبية، وعلى رأسها الصادرات الصناعية، والاستثمار الأجنبي، والسياحة، والخدمات ذات القيمة المضافة.
لذلك يرى اقتصاديون أن التحويلات يجب التعامل معها باعتبارها موردًا داعمًا وليس بديلًا عن إصلاح هيكل الاقتصاد.








