أثارت قصة الصيدلي مينا، الذي اضطر للعمل في مجال الدليفري، حالة واسعة من التعاطف، لكنها في الحقيقة تستحق أن تكون بداية لنقاش أكبر حول مستقبل مهنة الصيدلة في مصر. فالسؤال ليس لماذا يعمل صيدلي في الدليفري، فكل عمل شريف يستحق الاحترام، وإنما كيف وصل خريج صيدلة إلى مرحلة يضطر فيها للعمل بعيدًا عن دراسته وتخصصه، رغم سنوات الدراسة والتدريب التي قضاها حتى يصبح مؤهلًا لممارسة مهنته؟
مهنة الصيدلة من المهن الطبية العريقة والقوية، والصيدلي لا يدرس الدواء فقط، وإنما يدرس علومًا طبية ودوائية متعددة، من الكيمياء الحيوية والفسيولوجيا والميكروبيولوجي إلى علم الأدوية والعلاجيات والتداخلات الدوائية وغيرها، بما يؤهله للعمل داخل منظومة الرعاية الصحية، ومنها المستشفيات والمجالات الإكلينيكية والصناعات الدوائية والبحث العلمي. وخريج الصيدلة يمتلك تأهيلًا علميًا ومهنيًا كبيرًا، ويُعد من الكفاءات العلمية التي يجب أن تستثمر الدولة في قدراتها، لا أن تتركها مهدرة تبحث عن أي فرصة عمل بعيدًا عن تخصصها.
ومع تجاوز أعداد الصيادلة في مصر 350 ألف صيدلي، واقتراب نصيب مصر من الصيادلة من ثلاثة أضعاف المعدل العالمي، أصبح من الضروري أن نتساءل: أين تذهب هذه الأعداد؟ وهل توجد رؤية حقيقية لاستيعابها والاستفادة من قدراتها؟ المشكلة ليست في وجود أعداد كبيرة من الصيادلة في حد ذاتها، وإنما في غياب التخطيط الذي يربط بين أعداد الخريجين واحتياجات سوق العمل، ويفتح أمامهم مجالات جديدة تتناسب مع التطور الهائل الذي شهدته المهنة.
والأمر الأكثر إثارة للقلق أن مهنة الصيدلة تغيرت بصورة كبيرة خلال العقود الماضية، بينما يعود قانون مزاولة المهنة إلى عام 1955. فالصيدلة الحديثة تشمل الصيدلة الإكلينيكية، والتصنيع الدوائي، والبحث والتطوير، والتكنولوجيا الحيوية، واليقظة الدوائية والابتكار، وهي مجالات يمكن أن تجعل من الصيدلي عنصرًا أساسيًا في تطوير منظومة الصحة ودعم الاقتصاد الوطني، إذا توافرت صناعة دوائية قوية وسياسات تعليمية وتشريعية تواكب هذا التطور.
ومن هنا، لا بد أن نطرح الأسئلة الصعبة: أين خطط استيعاب خريجي الصيدلة؟ وأين الاستثمار الحقيقي في البحث والتطوير والصناعة الدوائية؟ ولماذا لا يتم توظيف هذه الطاقات العلمية الكبيرة في مجالات جديدة بدلًا من تركها تصطدم بسوق عمل محدود؟ لا يمكن أن نستمر في تخريج أعداد متزايدة من الكفاءات ثم نتركها تواجه وحدها سؤال: «هشتغل فين؟».
كما أن مستقبل المهنة لا ينفصل عن مستقبل نقابتها، فالصيادلة بحاجة إلى مؤسسة نقابية قوية وفاعلة تدافع عن حقوقهم وتشارك في وضع السياسات المتعلقة بمستقبل المهنة. ولذلك فإن استمرار حالة الحراسة والجمود النقابي لسنوات يحتاج إلى نهاية، وعودة النقابة إلى ممارسة دورها الطبيعي أصبحت ضرورة حقيقية.
قصة مينا
قصة مينا يجب ألا تكون مجرد حالة فردية تنتهي بتوفير فرصة عمل، وإنما فرصة لإعادة فتح ملف مهنة الصيدلة بالكامل. المطلوب خطة تبدأ من مراجعة أعداد القبول في كليات الصيدلة، ورفع جودة التعليم والتدريب، وتحديث قانون مزاولة المهنة، ودعم الصناعة والبحث العلمي، وخلق مسارات عمل جديدة أمام الصيادلة، إلى جانب إنهاء حالة الجمود النقابي ورفع الحراسة عن النقابة.
مهنة الصيدلة لا تعاني من نقص في الكفاءات، وإنما تحتاج إلى رؤية تستثمر هذه الكفاءات. فليس منطقيًا أن تنفق الأسرة والدولة سنوات وأموالًا في تعليم وتأهيل شاب ليصبح صيدليًا، ثم تكون النتيجة أن يجد نفسه مضطرًا للبحث عن عمل لا يمت بصلة إلى تخصصه.
مينا كشف مشكلة حقيقية يجب ألا نتجاهلها، لكن الأهم الآن هو أن تتحول هذه القصة من حالة تعاطف مؤقتة إلى بداية لتحرك جاد يحمي مستقبل مهنة عريقة، ويحافظ على طاقات آلاف الصيادلة، ويضمن أن يكون لكل خريج فرصة حقيقية لممارسة العلم الذي درسه والمهنة التي تأهل لها.
لأن القضية في النهاية ليست قصة صيدلي واحد.. وإنما مستقبل مهنة كاملة.
بقلم: الإعلامية الدكتورة هبة يوسف
استشاري الصيدلة الإكلينيكية وعضو نقابة الصيادله




