بعد نزيف حقل «ظُهر»
دراسة تحذر من اختناق إنتاج الغاز المحلي وتطالب بالرقابة على تخارج الشركاء
تواجه مصر تحولا استراتيجيا عميقا في ملف الغاز الطبيعي، لا يقتصر على مجرد تراجع مؤقت في الإنتاج المحلي، بل يمتد ليعيد تشكيل هيكل الطاقة والاقتصاد الوطني بشكل جذري، ومع انحسار الإنتاج منخفض التكلفة والاعتماد المتزايد على الواردات عبر خطوط الأنابيب والغاز المسال، يرتفع متوسط تكلفة الإمدادات من نحو 4 دولارات إلى ما يقارب 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية، وذلك حسبما كشفت الدراسة التحليلية التي قدمها مركز العدل لدراسات السياسات العامة تحت عنوان "الغاز الطبيعي في مصر 2026 - 2030".
هذا التحول الهيكلي ينقل الاقتصاد المصري إلى مرحلة "الطاقة مرتفعة التكلفة"، ما ينعكس مباشرة على تكلفة إنتاج الكهرباء، والقدرة التنافسية للصناعة الوطنية، وأعباء الموازنة العامة للدولة.
ولفت الدراسة إلى أن إنتاج الغاز المصري بلغ ذروته خلال عام 2022 عند حوالي 6.9 مليار قدم مكعب يومياً، مدفوعاً بالطفرة الإنتاجية الكبرى لحقل "ظهر" الذي وصل إنتاجه المنفرد في الذروة إلى 2.7 مليار قدم مكعب يومياً، ما أتاح تصدير فائض بلغ نحو 7.7 مليون طن في العام ذاته ورسخ انطباعاً بالاكتفاء الذاتي.
غير أن هذا المسار انعكس سريعاً، حيث تراجع إنتاج حقل ظهر بنحو 30% بين عامي 2021 و2024 دون ظهور اكتشافات كبرى تعوض هذا التناقص الطبيعي، بالتزامن مع تضاعف الطلب المحلي. ونتيجة لذلك، هبط الإنتاج الوطني الإجمالي من نحو 6 مليارات قدم مكعب يومياً في 2022 إلى ما دون 4 مليارات في 2025، لتتحول مصر إلى مستورد صافٍ للغاز، وينقلب ميزان الطاقة من الفائض إلى العجز التام.
وقالت الدراسة إن صيف عامي 2026 و2027 مثلا النقطة الحرجة، حيث تشير التقديرات الحسابية إلى ارتفاع الطلب في أوقات الذروة إلى نحو 7.9 مليار قدم مكعب يومياً، في مقابل طاقة استيعابية قصوى للمنظومة لا تتجاوز 7.5 مليار قدم مكعب من المصادر الثلاثة مجتمعة (الإنتاج المحلي، خطوط الأنابيب، ووحدات التغويز).
كما كشفت المؤشرات الموثقة أن التحدي لا يتوقف عند الطبيعة الجيولوجية للحقول، بل يمتد إلى بوصلة الاستثمار الدولي؛ حيث يعيد الشركاء الكبار توجيه رؤوس أموالهم نحو إسرائيل وقبرص، والتعامل مع مصر بوصفها سوق استهلاك وبنية تحتية للعبور والتسييل فقط.
تحولات الغاز
وتبرز الدراسة شواهد حاسمة على هذا التحول، أولها صفقة سوكار الأذربيجانية، ففي يونيو 2025 اشترت شركة النفط الحكومية الأذربيجانية "سوكار" حصة فعلية بنسبة 10% في حقل "تمار" الإسرائيلي بنحو 1.25 مليار دولار كأول استثمار إنتاجي لها بالمنطقة.
إضافة إلى الانكماش الاستراتيجي لشركة BP، حيث كشفت وكالة رويترز ونشرة MEES في مايو 2026 أن شركة "بي بي" تستطلع مشترين لبيع سريع لأصولها الغازية في مصر، نظراً لأن الإنفاق لمجرد تثبيت الإنتاج الحالي فقد جاذبيته الاستثمارية، مع تمرير أصولها الحالية تدريجيا عبر أذرع استثمارية إقليمية تمهيداً لخروج كامل.
وتلزم عقود الاستيراد المبرمة الجانب المصري بالسداد الفوري للكميات سواء احتاج الغاز أم لا. وبحسب الأرقام، فإن الطاقة الاستيعابية القصوى لمصر محكومة بسقف يبلغ نحو 9 مليارات قدم مكعب يومياً (7.5 مليار للاستهلاك المحلي صيفاً بالإضافة إلى 1.5 مليار كطاقة قصوى للإسالة عبر محطتي إدكو ودمياط).
في المقابل، تتصاعد عقود الاستيراد الملزمة لتصل واردات إسرائيل إلى 2.5 - 2.6 مليار قدم مكعب يومياً، وتستهدف قبرص توريد نحو 3 مليارات قدم مكعب يومياً، بمجموع يقارب 5.5 مليار قدم مكعب يومياً من الواردات. وبالتالي، فإن الحيز المتبقي لأي إنتاج محلي هو (9 - 5.5 = 3.5 مليار قدم مكعب فقط)، وهو ما يقل عن حجم الإنتاج الفعلي الحالي لمصر (3.8 مليار)، ما يعني عمليا أن العقود الاستيرادية باتت تزاحم وتخنق خطط وزارة البترول للتوسع قبل أن تبدأ.
وقدمت دراسة مركز العدل، جدولا اتطور متوسط التكلفة التقديرية للمليون وحدة حرارية (في شهور الذروة)
عام 2022: 4.17 دولار
عام 2023: 4.81 دولار
عام 2024: 7.06 دولار
عام 2025: 8.61 دولار
عام 2026 (الذروة الحالية): 10.17 دولار
عام 2027 (توقعات): 9.31 دولار
عام 2028 (توقعات): 7.42 دولار
وقدمت الدراسة توصيات عدة، أولها، ضرورة المراجعة السيادية عاجلة لتوازن الغاز حتى 2030: لمعالجة الفجوة الهيكلية المتوقعة بين التدفق الإجمالي والطاقة الاستيعابية، والتي يتوقع أن تكون بين 2 إلى 6 مليارات قدم مكعب يوميا.
كما طالبت الدراسة بخطة ملزمة للحقول المتوقفة (Stranded Fields): تقوم على مبدأ "طوّر أو اترك"، وإعادة طرح القطع الخاملة فورا، ومراجعة عاجلة لرسوم التسييل والعبور: بما يضمن رفع عائد مصر من بنيتها التحتية بدلاً من الهوامش الزهيدة المتاحة حالياً للشركاء، وآلية رقابة على تخارج الشركاء: تضمن أولوية مصر في إعادة تخصيص الأصول قبل انتقالها لجهات أخرى.









