و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

الهيئة العامة بمحكمة النقض حسمت الخلاف

حق المؤجر في رفع قضية بطلب إخلاء الشقة يسقط بالتقادم بعد 15سنة

موقع الصفحة الأولى

أرست محكمة النقض، عن طريق الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية، مبدأ قضائي حاسم، وهو تقادم حق المؤجر فى إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة لإخلال المستأجر بالتزاماته حال توافر أحد مسبباته المنصوص عليها فى القانون بمضي المدة. 

وجاء في الحكم رقم ٣٤٩٠ لسنة ٨٨ قضائية، والذي أصدرته الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها، في محكمة النقض، برئاسة القاضي عاصم عبد اللطيف الغايش، رئيس المحكمة، في جلسة ١٥ يونيو ٢٠٢٦، أنه في يوم ٢٠١٨/٢/١٧ طُعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف طنطا " مأمورية استئناف بنها " الصادر بتاريخ ٢٠١٧/١٢/٢٦ في الاستئناف رقم ٦٤٦ لسنة ٣٥ ق وذلك بصحيفة طلب فيها الطاعن الحكم بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه، ثم أودعت نيابة النقض مذكرتها أبدت فيها الرأي بقبول الطعن شكلاً، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه.

وبجلسة ٢٠٢٤/١٢/١٦ عُرض الطعن على المحكمة - في غرفة مشورة - فرأت أنه جدير بالنظر فحددت لنظره جلسة للمرافعة.، وبجلسة ٢٠٢٥/١١/١٧ سُمعت الدعوى أمام الدائرة المُحيلة، حيث صممت النيابة على ما جاء بمذكرتها، وبجلسة ٢٠٢٦/٢/١٦ قررت الدائرة المُحيلة إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها.

ثم أودعت النيابة مذكرة تكميلية بالرأي في شأن الاتجاهين محل قرار الإحالة، انتهت فيها إلى إقرار المبدأ الذي تبنته الأحكام التي انتهت إلى أن حق المؤجر في إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته لا يعدو أن يكون رخصة، والرخص لا تسقط بالتقادم، واستبعاد الاتجاه الآخر.

وبجلسة ٢٠٢٦/٥/٤ نُظر الطعن أمام الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية، حيث صممت النيابة على ما جاء بمذكرتها التكميلية، فقررت الهيئة إصدار حكمها.

 وقالت محكمة النقض في حكمها، إن وقائع القضية تتمثل تتلخص في أن مورث الطاعن والمطعون ضدها العاشرة أقام على المطعون ضدهم من الأولى حتى التاسع الدعوى رقم ٨٨١ لسنة ١٩٩٧ أمام محكمة بنها الابتدائية بطلب الحكم بإخلاء العين المبينة بالصحيفة والتسليم.

وبموجب عقد مؤرخ ١٩٦٨/١٠/٢٩ استأجر مورث المطعون ضدهم من الأولى حتى الثامن عين التداعي، وتركها للمطعون ضده التاسع فأقام الدعوى، وحكمت المحكمة برفضها، واستأنف الطاعن والمطعون ضدها العاشرة هذا الحكم بالاستئناف رقم ٦٤٦ لسنة ٣٥ ق طنطا " مأمورية بنها "، فندبت المحكمة خبيراً وبعد أن أودع تقريره قضت بتاريخ ٢٠١٣/١/٢٩ بإلغاء الحكم المستأنف والإخلاء والتسليم. 

وطعن المطعون ضده التاسع في هذا الحكم بطريق النقض بالطعن رقم ٥٠٦١ لسنة ٨٣ ق، وبتاريخ ٢٠١٥/١/١٤ نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه وأحالت القضية إلى محكمة استئناف طنطا " مأمورية استئناف بنها "، وعجّل الطاعن والمطعون ضدها العاشرة السير في الاستئناف، وأحالت المحكمة الدعوى إلى التحقيق، وبعد سماع شهود الطرفين قضت المحكمة بتاريخ ٢٠١٧/١٢/٢٦ بإلغاء الحكم المستأنف وبسقوط الحق في إقامة الدعوى بمضي المدة. طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه، وإذ عُرض الطعن على الدائرة المختصة فحددت جلسة لنظر الموضوع، وفيها التزمت النيابة رأيها.

تعارض الأحكام

ونظراً لتعارض الأحكام الصادرة من دوائر محكمة النقض بشأن سقوط حق المؤجر في طلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته المنصوص عليها في قوانين إيجار الأماكن بمضي خمس عشرة سنة إلى اتجاهين:

الاتجاه الأول: أن حق المؤجر في إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته يسقط بمضي خمس عشرة سنة من الوقت الذي يتمكن فيه الدائن من المطالبة بدينه، تأسيساً على أن النص في المادة ٣٧٤ من القانون المدني يدل على أن الالتزام وهو الحق الشخصي للدائن الذي يخوله مطالبة مدينه إعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، وسائر الالتزامات التي مصدرها القانون تتقادم كأصل عام بمضي خمس عشرة سنة ما لم يوجد نص خاص يخالف ذلك، باعتبار أن التقادم سبب لانقضاء الحقوق الشخصية أو العينية احتراماً للأوضاع المستقرة كأصل عام، أو اعتداداً بقرينة الوفاء، أو جزاءً لإهمال الدائن في حالات خاصة، وأن الدعوى بطلب فسخ عقد الإيجار هي بطلب حق من الحقوق الشخصية التي ليست لها مدة خاصة تتقادم بها، فإن تقادمها يكون بمضي خمس عشرة سنة من وقت نشأة الحق في الدعوى باعتباره التاريخ الذي يتمكن فيه الدائن من المطالبة بدينه.

الاتجاه الثاني: أن حق المؤجر في إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته لا يعدو أن يكون رخصة، والرخص لا تسقط بالتقادم، تأسيساً على أن المشرع فرض في قوانين إيجار الأماكن المتعاقبة قواعد خاصة خرج بها على الأحكام العامة لعقد الإيجار في القانون المدني، وأن الحق الممنوح للمؤجر في طلب إخلاء العين المؤجرة حال توافر أحد مسبباته التي نصت عليها قوانين إيجار الأماكن الاستثنائية جوازي، فله أن يحجم عن استعمال حقه نهائياً، وله أن يتراخى في ذلك، ولا يُعد هذا التراخي مهما بلغت مدته إسقاطاً من جانبه لحقه، ولا يعدو أن يكون رخصة للمؤجر إن شاء استعملها وإن شاء أحجم عنها، والرخص لا تسقط بالتقادم.

وإزاء هذا التباين في المبادئ قررت الدائرة المختصة بجلستها المعقودة بتاريخ ٢٠٢٦/٢/١٦ إحالة الطعن إلى الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها إعمالاً لنص الفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية الصادر بالقرار رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ المعدل للفصل في هذا الاختلاف.

وإذ حددت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها بالمحكمة جلسة لنظر الطعن، وأودعت النيابة العامة لدى محكمة النقض مذكرة تكميلية أبدت فيها الرأي باعتماد الاتجاه الثاني.

وحيث تداولت الهيئة في المسألة المعروضة عليها من الدائرة المُحيلة والتزمت النيابة رأيها، وقررت الهيئة إصدار حكمها بجلسة اليوم.

وقالت محكمة النقض إن التقادم ليس سبباً مستقلاً لانقضاء المراكز القانونية أياً كانت طبيعتها، وإنما هو نظام استثنائي أقامه المشرع على حقوق ودعاوى معينة، وربط سريانه بقيام الحق الذي يرد عليه وبقاء صاحبه ممتنعاً عن التمسك به أو المطالبة به خلال المدة التي حددها القانون، لذلك اختلفت الأحكام التي ترد على كل من الرخصة والحق باختلاف طبيعتهما، فحيث وُجد الحق أمكن أن ترد عليه أسباب الانقضاء والسقوط والتقادم متى توافرت شروطها، أما الرخصة فلا تكون محلاً لذلك أصلاً، إذ لا يرد التقادم إلا على حق أو دعوى يحميها القانون، وهو لا يتصور إعماله في مجرد إباحة قانونية لا تُنشئ بذاتها مركزاً قانونياً من هذا القبيل، وكانت العقود من أهم مصادر الحقوق والالتزامات، فإن ما ينشأ عنها من حقوق يظل خاضعاً للأحكام العامة التي قررها القانون للحقوق بوجه عام، ومنها أحكام السقوط والتقادم.

وأضافت أن عقد الإيجار يرتب بين طرفيه حقوقاً والتزامات متقابلة، فإن إخلال المستأجر بالالتزامات التي فرضها العقد أو أوجبها القانون يُنشئ للمؤجر حقاً في طلب الإخلاء يستمد وجوده من الرابطة القانونية القائمة بينهما ويقوم على مركز قانوني مكتمل العناصر، بما يخرجه بطبيعته عن دائرة الرخص والإباحات المجردة، فإذا تحقق سبب الإخلاء لمخالفته أحكام العقد أو القانون بما يترتب عليه فسخ عقد الإيجار، فإن لجوء المؤجر إلى القضاء بطلب الحكم به لا يعدو أن يكون مباشرة لهذا الحق واقتضاء لأثره القانوني، إذ لا تُنشئ الدعوى حقاً جديداً ولا يستحدث للمؤجر سلطة لم تكن قائمة من قبل، إنما يمثل الصورة التي يتجسد فيها الحق عند المنازعة فيه والطريق الذي رسمه القانون لإعمال آثاره.

طلب إخلاء الشقة

ومن ثم فلا محل للقول أن طلب الإخلاء أو الدعوى المقامة به لا تعدو أن تكون رخصة قانونية، إذ الرخصة تفترض إباحة مجردة ولا تقوم على حق سابق، بينما دعوى الإخلاء تقوم استناداً إلى حق نشأ بالفعل واكتملت عناصره بقيام سبب الإخلاء، ومن ثم فإن استعمال المؤجر لهذا الحق بالمطالبة به قضاءً، لا يجاوز أن يكون مظهراً من مظاهر الحق ذاته ولا ينفصل عنه ولا يغير من طبيعته القانونية، ولا يغير من ذلك ما نصت عليه المادة ١٨ من القانون ١٣٦ لسنة ١٩٨١ من أنه " لا يجوز للمؤجر أن يطلب إخلاء المكان ولو انتهت المدة المتفق عليها في العقد إلا لأحد الأسباب الآتية...".

 ومؤدى هذا النص أن المشرع قد تناول بالتنظيم العلاقة الإيجارية الناشئة عن العقد القائم بين المؤجر والمستأجر، وهو ما أفصح عنه صراحة بإحالته إلى العقد وجعله أساساً للرابطة القانونية محل التنظيم، ومقتضى ذلك أن الحقوق والالتزامات التي تدور في فلك هذه العلاقة، تستمد وجودها من العقد ذاته بوصفه مصدراً من مصادر الالتزام لا من نص المادة ١٨ سالفة البيان، والذي اقتصر دورها على تنظيم آثار تلك العلاقة وضبط كيفية مباشرتها، ومن ثم فإن حق المؤجر في طلب الإخلاء لا يستمد وجوده من المادة المشار إليها، وإنما يستمد وجوده من الرابطة العقدية وما يرتبه الإخلال بها من آثار قانونية طبقاً للقواعد العامة.

غير أن المشرع - وخروجاً على ما تقتضيه تلك القواعد - لم يترك استعمال هذا الحق على إطلاقه، بل تدخل لتنظيمه وتقييد نطاق مباشرته، فنص على أنه (" لا يجوز" طلب الإخلاء... " إلا لـ ")، فدلالة الجواز الواردة بالنص لا تنصرف إلى أصل الحق ولا إلى وصفه وطبيعته، إنما تنصرف إلى تقييد نطاق استعمال الحق في دعوى الإخلاء بالحالات الواردة فقط به وعلى سبيل الحصر، فالمشرع لم يكن بصدد إنشاء حق أو تقرير رخصة، إنما كان بصدد فرض قيد على سلطات المؤجر في استعمال حقه في طلب الإخلاء وجعلها مقصورة على الحالات الواردة بالنص دون غيرها ومنعه من اللجوء إلى هذا الجزاء فيما عداها.

وعلى ذلك فإن الجواز الوارد بالمادة ليس رخصة للمؤجر، وإنما هو في حقيقته قيد على استعمال الحق أو إطلاق حرية استعماله وحصره في أسباب محددة تتعلق بالنظام العام، فلا يكون الإخلاء جائزاً إلا إذا قام سبب من الأسباب التي أوردها المشرع حصراً ولا يمتد إلى غيرها ولو كان ذلك جائزاً وفقاً للأصل العام، ومن ثم فإن استخلاص وصف الرخصة من هذا الجواز ينطوي على مجاوزة لدلالة النص، وخلط بين الحق وبين القيود الواردة على استعماله وبين الرخصة والتي مناطها أن يكون للشخص أن يستعمل المُكنة التي قررها القانون أو يعرض عنها، فالجواز الوارد بالمادة يتعلق بتقييد استعمال الحق لا بإطلاقه، وبحصر حالات مباشرته، لا بالتخيير بين استعماله أو تركه، ومن ثم فإن استخدام النص للفظ " لا يجوز " لم يتناول به الرخصة تصريحاً أو دلالة ولم يكن معنياً ببيان أحكامها، إنما اقتصر على تنظيم مباشرة حق الإخلاء وقصر استعماله على الحالات التي حددها المشرع.

ومما يؤكد هذا النظر أن المشرع حينما استخدم عبارة (" لا يجوز" للمؤجر أن يطلب الإخلاء " إلا لـ ") هي صيغة لم ترد لبيان إباحة أو تقرير رخصة، وإنما وردت في صورة نفي أعقبه استثناء، وهي من أبلغ صيغ القصر والحصر، ومؤداها منع طلب الإخلاء أصلاً فيما جاوز الحالات المستثناة وقصره عليها دون غيرها، فالنص لم يُنشئ دائرة من الحريات يُترك لصاحب الشأن أمر استعمالها أو عدم استعمالها، وإنما أقام قيداً تشريعياً أمراً على حق قائم، فحجب سريان أثره إلا في الأحوال التي عيَّنها المشرع تحديداً، ومن ثم فإن دلالة النص لا تتجه إلى تقرير رخصة، وإنما تطبيق نطاق استعمال الحق وحصر وسائل مباشرته، فالنص لم يرد في صورة إباحة أعقبها تنظيم، وإنما ورد في صورة حظر أعقبه استثناء، والفارق بينهما هو الفارق بين تقرير الرخصة وتقييد الحق.

ومن ثم فإن الهيئة تُقر مبدأ أن طلب الإخلاء لإخلال المستأجر بالتزاماته المقررة بالقانون وعقد الإيجار يقوم على حق مقرر للمؤجر وليس رخصة قانونية، ومن ثم فإنه يكون صالحاً بطبيعته لأن يكون محلاً للأحكام التي ترد على الحقوق ومنها السقوط والتقادم متى توافرت شروطه القانونية.

ومن ثم، فإن الهيئة - وبعد الفصل في المسألة المعروضة - تُعيد الطعن إلى الدائرة التي أحالته للفصل فيه، وفقاً لما سبق وطبقاً لأحكام القانون.

 لذلك، حكمت الهيئة العامة للمواد المدنية والتجارية ومواد الأحوال الشخصية وغيرها بالأغلبية المنصوص عليها بالفقرة الثانية من المادة الرابعة من قانون السلطة القضائية رقم ٤٦ لسنة ١٩٧٢ المعدل: أولاً: إقرار مبدأ تقادم حق المؤجر في إقامة الدعوى بطلب إخلاء العين المؤجرة لإخلال المستأجر بالتزاماته حال توافر أحد مسبباته المنصوص عليها في القانون بمضي المدة، والعدول عما عداها من أحكام أخرى مخالفة في هذا الشأن. ثانياً: إعادة الطعن إلى الدائرة المُحيلة للفصل فيه.

تم نسخ الرابط