و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

هناك أشياء لا تستطيع السياسة أن تفعلها ولا تنجح فيها الخطب ولا الشعارات لكن كرة القدم تفعلها في تسعين دقيقة.

ما إن تبدأ مباراة في كأس العالم حتى يتغير المشهد كله وتذوب الفوارق وتسقط الأقنعة ويعود الإنسان إلى فطرته الأولى فلا أحد يسأل من أين أتيت ولا ماذا تعمل ولا كم تملك الجميع يجلسون جنبًا إلى جنب تجمعهم صرخة واحدة وتوحدهم فرحة واحدة ويكسرهم هدف واحد، في تلك اللحظات لا أرى طبيبًا ولا عاملًا ولا غنيًا ولا فقيرًا ولا مسؤولًا ولا موظفًا ولا شابًا ولامسنًا، أرى شيئًا واحدًا فقط، أرى المصري.

يكفي أن تمر في شوارع مصر ليلة مباراة كبيرة لترى الحقيقة بعينيك فالمقاهي تمتلئ قبل صافرة البداية والبيوت تفتح نوافذها على صوت المعلق والأطفال يركضون حاملين الأعلام والآباء يستعيدون حماس الشباب وكأن المدينة كلها تجلس في غرفة واحدة وكأن القلوب كلها تخفق بإيقاع واحد فإذا جاء هدف اهتزت الشوارع بالفرحة وإن ضاع تنهد الجميع في اللحظة نفسها دون أن يعرف أحد اسم الجالس إلى جواره.

وفي تلك اللحظة لا نرى البيت ولا المقهى ولا الشارع بل نرى شيئًا واحدًا فقط مصر، وكأن ضجيج الحياة الذي كان يحجب هذا الشعور ينزاح فجأة فلا يبقى في الوعي إلا حقيقة واحدة، أننا في مصر، أراه يجلس إلى جوار أخيه الذي ربما لم يلتق به من قبل لكنهما يتبادلان النظرات نفسها ويعيشان التوتر نفسه ويقفزان للهدف نفسه وكأن الوطن الذي بعثرته هموم الحياة يجتمع من جديد أمام شاشة صغيرة

وفي تلك اللحظات ندرك أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما نظن، فكل الخلافات التي بدت يومًا ضخمة تتضاءل أمام لحظة فرح مشتركة وكل المسافات التي صنعتها الأيام تختفي أمام هتاف واحد فالانتماء لا يغيب عن الإنسان لكنه أحيانًا يهدأ تحت ضجيج الحياة حتى تأتي لحظة صادقة فتوقظه وكأن كرة القدم تزيح الغبار عن وجوهنا وتعيد إلينا صورتنا التي أنستنا إياها مشاغل الحياة، إنها لا تصنع الوطنية بل تكشفها ولا تخلق الانتماء بل توقظه فهي تذكرنا بأن تحت كل الأسماء وكل الصفات وكل الانتماءات الصغيرة يوجد اسم أكبر وأجمل مصري.

ولعل هذا هو أعظم ما تفعله كرة القدم إنها ترد الإنسان إلى فطرته الأولى فحين تهتز الشباك لا يسأل القلب عن الطبقة الاجتماعية ولا عن المهنة ولا عن المكانة بل يفرح ويري من حوله يفرحون فالقلوب كلها تنبض بنبض واحد وكأن الوطن في تلك الثواني يقرر أن يحتضن أبناءه جميعًا دون استثناء.

العروبة تجمعنا

ثم يحدث ما هو أجمل، فإذا غابت مصر عن الملعب وحضر منتخب عربي امتدت قلوبنا إليه دون موعد نهتف له ونفرح لانتصاره ونحزن لخسارته لأن العروبة حين تكون صادقة لا تحتاج إلى خطابات لتثبت وجودها إنها تظهر في لحظة عفوية وفي دعاء يسبق ركلة جزاء وفي فرحة تعم بيتًا لم يعرف يومًا لاعبًا من ذلك المنتخب لكنه عرف أنه عربي وهذا يكفي.

لهذا فإن كأس العالم ليس مجرد بطولة لكرة القدم، بل موسم تتذكر فيه الشعوب حقيقتها يذكرنا بأن الوطنية ليست شعارًا يُرفع وإنما شعور يسكن القلوب وأن العروبة ليست كلمات تُقال بل إحساس يظهر حين يحتاج أحدنا إلى الآخر.

ربما لهذا أحب كرة القدم لأنها ولو لساعات قليلة تعيد الإنسان إلى اسمه الأول وتعيد الأوطان إلى قلوب أبنائها وتذكرنا بأن ما يجمعنا سيظل دائمًا أكبر وأبقى وأجمل مما يفرقنا.

تم نسخ الرابط