و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

خلال الأيام الماضية شهدنا حادثتان شغلتا الرأي العام طرح سؤال قديم يتجدد مع كل أزمة يكون أبطالها أطفالًا أو مراهقين؛ الأولى حادثة دهس راحت ضحيتها بائعة شاي، والثانية واقعة التخريب للممتلكات العامة "فان زون" بعد ربح المنتخب المصري مباراته امام منتخب إيران في كأس العالم.

وبين تفاصيل كل حادثة واختلاف ملابساتها، بقي سؤال واحد يتردد على ألسنة الجميع: من يربي أبناءنا؟، وبعيدًا عن مسؤولية جهات التحقيق والقضاء في تحديد الوقائع ومحاسبة كل من يثبت تورطه وفقًا للقانون، وهو أمر لا خلاف عليه، فإن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه لا يتعلق فقط بمن أخطأ، بل بكيف وصلنا إلى مجتمع تتكرر فيه مثل هذه الحوادث إلى حد زاد عن كونها أعمال فردية، ثم يكتفي بعد كل حادثة بتبادل الاتهامات.

الإعدام المعنوي

ففي كل مرة يقع فيها حدث صادم، يتحول المجتمع كله إلى قاضٍ تتجه الأنظار مباشرة إلى الأب والأم، وتبدأ محاكمات لا تقل قسوة عن المحاكمات القانونية بل تزيد: أين كانت الأسرة؟ كيف كانت التربية؟ لماذا تركوا أبناءهم؟ ثم تمتد الاتهامات إلى الأسرة كلها، ويصبح التشهير بها على وسائل التواصل والإعلام جزءًا من العقوبة، وكأن العدالة لم تعد تكفي، فأصبحنا نبحث عن الإعدام المعنوي أيضًا.

وبداية، يجب أن نفرق بين أمرين لا يجوز الخلط بينهما، فالمحاسبة القانونية ضرورة لا غنى عنها لحماية المجتمع وصون حقوق الضحايا، ولا أحد يملك أن يطالب بغير ذلك، أما التشهير ووصم أسر كاملة، ونشر صورهم وبياناتهم، وتحويلها إلى مادة للشماتة والتسلية، فليس من العدالة في شيء، بل يعد شكلا آخر من أشكال العنف المجتمعي، لا يعالج المشكلة، ولا يمنع تكرارها.

لكن ما يستوقفني حقًا هو سرعة المجتمع في تبرئة نفسه فحين نقرأ آلاف التعليقات التي تؤكد أن "العيب في التربية"، وأن "الأب والأم هما السبب"، نشعر وكأننا نعيش في مجتمع مثالي، لا يعرف العنف، ولا الاستعراض المادي، ولا غياب الرقابة، ولا التفكك الأسري، ولا الإدمان، ولا قيادة الأطفال للسيارات، ولا الاستخدام غير المنضبط للمناصب والسلطات ولا التعامل غير المسؤول لمواقع التواصل الاجتماعي.

ولو صدقنا هذا المشهد الافتراضي، لتساءلنا: إذا كان كل هؤلاء المهاجمين ليسوا آباء هؤلاء الفتية والفتيات الذين يملؤون الشوارع والمقاهي ومراكز الدروس ومواقع التواصل، فمن أباءهم وأمتاهم؟ وإذا كان الجميع يؤكد أن أبناءه ليسوا كذلك، فمن أين خرجت كل هذه الظواهر التي نراها يوميًا؟

إن هذا الميل إلى تحميل أسرة بعينها كامل المسؤولية قد يكون في بعض الأحيان وسيلة مريحة لطمأنه أنفسنا بأن المشكلة تخص الآخرين فقط، وأن بيوتنا بمنأى عنها، وهو شعور قد يمنح راحة مؤقتة، لكنه يمنعنا من مواجهة الحقيقة، وهي أن ما نراه اليوم ليس نتاج بيت واحد، بل نتاج مجتمع كامل يمر بتحولات عميقة.

لقد تغير المجتمع المصري خلال السنوات الأخيرة بوتيرة أسرع بكثير من تغير أدوات التربية، فـالأسرة التي كانت قبل عقود تعرف جيدًا ما هو المقبول وما هو المرفوض، أصبحت اليوم تقف حائرة بين نموذجين؛ نموذج تقليدي نشأت عليه، ونموذج جديد تفرضه وسائل التواصل الاجتماعي والعولمة والانفتاح، فلم نعد مجتمعًا محافظًا بالمعنى التقليدي، ولم نصبح أيضًا مجتمعًا يمتلك أدوات التربية الحديثة القائمة على الحوار، والوعي النفسي، واحترام الفروق الفردية.

أصبح كثير من الآباء والأمهات يعيشون حالة ارتباك حقيقية، فهم يرفضون بعض مظاهر الانفتاح، ثم يقبلون غيرها تحت ضغط الواقع أو خوفًا من شعور أبنائهم بالعزلة، يمنعون أبناءهم من أشياء، ثم يتراجعون عنها لأن "كل الناس بقت تعمل كده"، يطالبون بالحوار، ثم يغضبون عندما يبدي الابن رأيًا مخالفًا، يشجعون الاستقلالية، ثم يعودون إلى التربية السلطوية عند أول خلاف، إننا لا نعيش فقط أزمة في أساليب التربية.

بل أزمة في تحديد النموذج الذي نريد أن نربي أبناءنا عليه، ثم جاءت الضغوط الاقتصادية لتزيد المشهد تعقيدًا فالأب الذي يعمل لساعات طويلة لتوفير مصروفات المدارس، والدروس، والملابس، والأنشطة، ووسائل المواصلات، والأجهزة الإلكترونية، والأم التي أصبحت تشاركه هذا السباق اليومي، لا يعودان إلى المنزل غالبًا إلا وقد استنزفتهما الحياة وبين السعي لتأمين الاحتياجات المادية، يتراجع الوقت المخصص للحوار، والمتابعة، والاحتواء، وهي أمور لا يقل أثرها في التربية عن توفير الطعام والتعليم بل يزيد.

وللأسف، أصبحنا نقيس نجاح الأسرة بما استطاعت أن توفره من خدمات، أكثر مما نقيسه بما استطاعت أن تمنحه من وقت واحتواء وليس المقصود هنا إعفاء الأسرة من مسؤوليتها او الموافقة على الاعذار فلا نحمل الاسر ذنب التقصير في التربية والتنشئة، لكن لابد ان نعترف ان الاسرة لم تعد وحدها من يربي.

فالطفل اليوم يتلقى قيمه وسلوكياته من المدرسة، ومن الهاتف المحمول، ومن صناع المحتوى، ومن الألعاب الإلكترونية، ومن المسلسلات، ومن أصدقائه، وربما يقضي مع هذه المؤثرات وقتًا أطول بكثير مما يقضيه مع والديه، لذلك، يصبح من غير المنطقي أن نحاسب الأسرة وحدها على مخرجات تشارك في تشكيلها عشرات الجهات الأخرى بل لنكن أكثر صراحه فإن السيطرة على كل هذه المدخلات بات ضربا من المستحيل على الأسر وحدها، وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية: ماذا قدمت مؤسساتنا المساندة اللازمة للأسرة؟ أم انها تعمل في زيادة الضغط؟

لا ننكر وجود بعض المحاولات مثل الخطوط التي أطلقتها وزارة الاتصالات الخاصة بالأطفال والتي لا تسمح للطفل بالدخول على محتويات غير مناسبة له، كما شهدنا خلال الفترة الأخيرة اهتمامًا بإدخال مواد وأنشطة تتعلق بالهوية الوطنية والقيم والانتماء من قبل وزارة التربية والتعليم، وهي خطوة تستحق التقدير من حيث المبدأ، لكن هل يكفي أن نضيف مادة دراسية لنبني شخصية طفل ونعززه دينيا ونبني هويته وانتمائه؟

الهوية لا تُدرس في كتاب فقط، والانتماء لا يُكتسب في حصة أسبوعية -إن سمحت الجداول الدراسية بذلك وتوفر المعلمين اللازمين والمدربين -، والقيم لا تُحفظ كما تُحفظ جداول الضرب، فالطفل يتعلم من القدوة، ومن بيئة المدرسة، ومن سلوك الكبار، ومن العدالة التي يراها، ومن احترام القانون، ومن الفن، ومن الرياضة، ومن الثقافة، ومن طريقة تعامل المجتمع معه.

كما أن اختزال قضية التربية في زيادة الجرعة الدينية أو الاكتفاء بالخطاب الوعظي لا يبدو كافيًا لمواجهة تحديات عصر معقد تتداخل فيه المؤثرات النفسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، فالتربية مسؤولية أوسع من أن تتحملها مؤسسة واحدة، أو وزارة واحدة، أو مادة دراسية واحدة.

المجتمع المسؤول

وربما أصبحنا في حاجة إلى ما هو أكبر من تطوير المناهج او تجديد الخطاب الديني؛ أصبحنا في حاجة إلى إعادة تأهيل مجتمعي حقيقي، إعادة تأهيل للآباء والأمهات قبل الأبناء، من خلال برامج توعوية حديثة تساعدهم على فهم التحولات النفسية والاجتماعية التي يعيشها أطفالهم، وإعادة تأهيل للمدرسة لتعود شريكًا في التربية لا مجرد مؤسسة للامتحانات، وإعادة النظر في الخطاب الإعلامي والديني، وفي المحتوى الذي يقدم لأطفالنا، وفي دور المؤسسات الثقافية

إن التربية ليست معركة يخوضها الأب والأم وحدهما، وليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها، ولا المؤسسات الدينية وحدها، ولا الإعلام وحده إنها مسؤولية مجتمع كامل، وإذا اختل دور أحد أطرافه، فلن يستطيع الطرف الآخر أن يحمل العبء منفردًا.

وربما آن الأوان لأن نتوقف عن البحث بعد كل حادثة عن "الأسرة المذنبة"، وأن نبدأ في البحث عن "المجتمع المسؤول"، فالأبناء الذين نراهم اليوم هم مرآة لما نصنعه جميعًا، وهم نتاج منظومة كاملة، بكل ما فيها من نجاحات وإخفاقات.

ويبقى السؤال الذي يجب أن يشغلنا جميعًا: هل نريد أن نستمر في تبادل الاتهامات بعد كل أزمة؟، أم نبدأ حوارًا وطنيًا حقيقيًا حول مستقبل التربية في مصر؟ لأن بناء الإنسان لا يبدأ بعد وقوع الخطأ، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات، داخل بيت، ومدرسة، وشارع، وإعلام، ومجتمع قرر أن التربية ليست شأنًا خاصًا بالأسرة، بل قضية أمن قومي ومستقبل وطن.

تم نسخ الرابط