و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

لم تكن العبارة المعروفة للكاتب "أحمد خالد توفيق" في روايته الشهيرة "يوتوبيا": "مجتمع بلا طبقة وسطى هو مجتمع قابل للانفجار"، إلا جرس إنذار لما حدث ويحدث من تآكل للطبقة المتوسطة، فالرواية تصف الطبقة الوسطى بأنها "قضبان الجرافيت" التي تبطئ التفاعل في المفاعلات الذرية، وأن غيابها يعني تحول المجتمع إلى طبقتين: طبقة للأغنياء وأخرى للفقراء، مما يجعله مجتمعاً هشاً غير مستقر، قابلاً للانفجار، ومهيأً لصراع طبقي عنيف.

الواقع يؤكد ما حدث في السنوات الأخيرة، والتحولات الكبرى في المشهد الاقتصادي صعّبت رسم خارطة الطبقة الوسطى، خاصة في ظل تنامي الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين مختلف الشرائح والفئات والمناطق والجهات، فضلاً عن التحولات الأخرى من ارتفاع للأسعار وضعف الأجور والرواتب، وهي عوامل أدت إلى محاصرة الطبقة المتوسطة وتراجعها عن الوفاء بالتزاماتها المعيشية.

مما نتج عنه انضمام الكثير من هذه الطبقة إلى الفئات الفقيرة محدودة الدخل، حيث نلاحظ أن متطلبات الحياة من سلع غذائية وخدمية ووقود وخدمات منزلية وتعليمية ومسكن وغيرها زادت بنسبة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، حتى أصبح الكثير من المواطنين لا يستطيعون تحمل شراء بعض السلع لارتفاع أسعارها، فالطبقة المتوسطة، والتي تعد أكبر مؤثر في ترتيب أولوياتها الاستهلاكية، لها تأثير واضح في القدرة الشرائية.

تعريف الطبقة الوسطى

حاولت البحث في الدوريات الاجتماعية والاقتصادية عن مصطلح ومسمى وتعريف محدد للطبقة المتوسطة، حيث وجدت تبايناً في المصادر في تعريف هذه الطبقة، لكن مؤسسات دولية مثل البنك الدولي ومراكز الأبحاث كمؤسسة "بروكينجز" رصدت متوسط إنفاق أفراد الطبقة المتوسطة الذين ينفقون ما بين 11 إلى 110 دولارات يومياً "بأسعار تعادل القوة الشرائية"، وهناك من يبلغ إنفاقهم ما بين 100 و110 دولارات في اليوم.

قسمت مؤسسة "فيتش سوليوشنز"، إحدى مؤسسات «مجموعة فيتش للتصنيف الائتماني»، المجتمع إلى طبقات رئيسية أربع وفقاً للدخل المتاح للاستهلاك سنوياً، فالطبقة الأولى هي من ينخفض دخلها السنوي عن 5000 دولار، والطبقة الثانية ما يزيد دخلها السنوي عن 5000 دولار، والثالثة هي الطبقة التي يزيد دخلها عن 10 آلاف دولار، أما الطبقة الرابعة، وهي العليا، التي يزيد دخلها عن 50 ألف دولار سنوياً.

ووفقاً لتقارير اقتصادية، فإن نسبة الطبقة المتوسطة ارتفعت عالمياً خلال السنوات الأخيرة، وأن بداية ارتفاع حجم الطبقة المتوسطة كان عام 2009، حيث ارتفعت النسبة إلى نحو 1.8 مليار نسمة، معظمهم في دول أوروبا حيث يتجاوز عددهم 650 مليون نسمة، بينما يصل العدد في دول آسيا إلى أكثر من 500 مليون نسمة، وأكثر من 340 مليون نسمة في دول أميركا الشمالية، وزادت نسبة الطبقة المتوسطة في عام 2018، حيث وصل عددهم إلى أكثر من 3.6 مليار نسمة، حيث تضاعف الرقم خلال 10 سنوات، وهناك توقعات بزيادة العدد إلى 5.3 مليار مواطن بحلول عام 2030.

هذا النمو للطبقة المتوسطة ارتبط ارتباطاً وثيقاً بنمو الاقتصاد العالمي، لا سيما في الدول الآسيوية، التي يتجاوز عدد المنضمين الجدد لهذه الطبقة نحو 90 في المائة، كما أوضحت إحصائية حديثة أن نحو 5 أشخاص في الثانية الواحدة ينضمون إلى الطبقة المتوسطة.

برغم هذا التحول التدريجي والزيادة في أعداد الطبقة المتوسطة عالمياً، إلا أن ما يحدث في مصر من انخفاض في نسبة الطبقة المتوسطة وتراجعها وعدم قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الحياتية مثير للحيرة والدهشة، فـالأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تعاني منها مصر أدت إلى تراجع كبير في طبقات المجتمع، وبصفة خاصة الطبقة المتوسطة.

في ظل معدلات التضخم الراهنة، مع ارتفاع الأسعار وثبات معدلات الدخل تقريبًا لدى أغلب الموظفين، يظهر لنا أن متوسط الدخل المتاح للاستهلاك لكل الأسر المصرية وحجم ما تنفقه بالدولار انخفض خلال الفترة الأخيرة، من 337.7 مليار دولار في 2021 إلى 262.3 مليار دولار في 2023، وفقًا لتقديرات مؤسسة "فيتش سوليوشنز".

حددت مؤسسة «فيتش سوليوشنز» الطبقة الوسطى بأنها الطبقة التي يزيد دخل الأسرة فيها على 5 آلاف دولار خلال العام، أي ما يعادل بالجنيه المصري نحو 20 ألفًا و500 جنيه شهريًا، وتشير تقارير لمؤسسات اقتصادية دولية إلى تراجع حجم الطبقة المتوسطة في مصر، فالأسر التي كانت تتمتع بدخل متاح للاستهلاك يتجاوز 5000 دولار سنويًا، وتمثل نسبة 39% من إجمالي عدد الأسر في مصر عام 2021، ما يجعلها تقع في مكانة الطبقة الوسطى، انخفضت هذه النسبة إلى نحو 12% في العام 2023.

وفيما يتعلق بتوزيع الدخول في المجتمع المصري، فقد شهدت السنوات الأخيرة انخفاضًا في حجم الاستهلاك للأسرة المصرية، فوفقًا لحساب متوسط الدخل بالدولار المتاح للاستهلاك بالنسبة للأسرة نجد انخفاضه من 5 آلاف دولار في 2021 إلى 3.2 ألف دولار في 2023.

لا شك بأن الانخفاض الكبير الذي طرأ في قيمة العملة المصرية، الجنيه، مقابل الدولار، مع زيادة قليلة لا تسمن ولا تغني من جوع في المرتبات والأجور للعاملين، كان السبب الرئيسي لهذه التغيرات السريعة في مصر، في ظل الأزمات الاقتصادية تستطيع الطبقات المتوسطة تحمل الصدمات الناجمة عن هذه الأزمات دون التعرض للإفلاس أو الانتقال لجدول الطبقات الفقيرة.

تحافظ العديد من الدول على الطبقة المتوسطة، لأنها تمثل رمانة الميزان لأي مجتمعات، والعمود الفقري للاقتصاد والحياة، والمحرك الرئيسي له، فهي كالدينامو الذي يعمل على تشغيل جميع الأجهزة، لذلك تكمن الأهمية الاقتصادية للطبقة الوسطى، فهي تشكل أكثر من نصف الاستهلاك للمنتجات بمختلف أنواعها، فضلًا عن أنها تمثل الجزء الأكبر للقوة الشرائية، وتلعب دورًا مؤثرًا في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتنذر بتعثر مسار التنمية وتهديد السلم الاجتماعي.

لذلك، إذا نظرنا للكثير من المنتجات كالأغذية والأجهزة الإلكترونية والسيارات ومواد البناء والعقارات والمواصلات العامة وغيرها، نجد أن الطبقة المتوسطة تقبل بشكل كبير على هذه المنتجات، كما أن المنتجات المصرفية الخاصة بالأفراد كالقروض الشخصية والعقارية تعتمد على الطبقة المتوسطة، والتي تساهم أيضًا في زيادة نشاط القطاع المصرفي بنسبة كبيرة.

اللافت للنظر أن أسباب التآكل الاقتصادي والاجتماعي أدت إلى تضخم وانخفاض قيمة العملة، مما نتج عنه الارتفاع المتضاعف في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب ضعف القوة الشرائية للرواتب والأجور، وكان له الأثر البالغ في تراجع نمط حياة الكثير من الأسر، كما أن تراجع دور الدولة الاقتصادي، وتقليص الدعم، وتخفيض الإنفاق الاجتماعي.

النمو الاقتصادي

استقرار الطبقة المتوسطة هو استقرار للمجتمع وللسلم الاجتماعي، وأن ارتفاع حجم الطبقة المتوسطة يعمل على تحفيز النمو الاقتصادي، ويقل من معدل التضخم، ويساعد على الاستقرار المجتمعي، فضلًا على نهوض وتنمية المجتمع.

تحرص الطبقة المتوسطة على التعليم، الذي يعد عنصرًا أساسيًا في كسب العيش لدى هذه الطبقة، فالتعليم والطبقة المتوسطة صلة قوية، مرتبطان ببعضهما البعض، فمعظم الابتكارات والخبرات في مختلف المجالات، إضافة إلى رواد الأعمال، ينتمون إلى الطبقة المتوسطة بسبب ارتباطهم بالتعليم، إضافة إلى التحفيز الاقتصادي للابتكار والاستثمار وإنشاء الشركات. لذلك تسعى العديد من الحكومات في العديد من الدول إلى الحفاظ على الطبقة المتوسطة لما تمثله من آثار اجتماعية واقتصادية إيجابية.

تحاول الحكومة في مصر تخفيف الأعباء عن المواطن فيما يخص ارتفاع أسعار السلع من خلال مبادرات لتوفير السلع بأسعار مخفضة على مدار العام، والتي تشهد إقبالًا متزايدًا من طبقات اجتماعية مختلفة، مما له الأثر على الطبقة المتوسطة.

تم نسخ الرابط