السفير شريف شاهين يستكمل حواره للصفحة الأولى :
"عروبة" مقتدى الصدر وخطأ امريكا الفادح بحل الجيش والشرطة وخلق بيئة التفجيرات
إستكمالاً لحوار السفير شريف شاهين مساعد وزير الخارجية الاسبق مع موقع الصفحة الاولى والتى ادلى فيها بتصريحات مهمة عن الفترة التى قضاها بالعراق وبعض الدول الاخرى والتى عاصرت سنوات حاسمة .. وبدأ حديثه عن كسر سنوات الغياب المصري عن بغداد بمبادرة شخصية جريئة. ويستكمل معانا، شهادته ليكشف ما واجهه على أرض الواقع: مدينة تحترق يوميًا بالتفجيرات، وميليشيات تتقاتل على الفراغ الذي خلّفه قرار أمريكي واحد، وانسحاب غير مدروس فتح الباب أمام طهران وأنقرة لاستباحة القرار العراقي.
حين انتهى السفير شريف شاهين في الجزء الأول من تصريحاته لـ«الصفحة الأولى» من رواية كيف شقّ طريقه إلى بغداد رغم المقاومة المؤسسية والصدمات الأمنية، بدا وكأن القصة قد اكتملت. لكن الرجل الذي أصرّ على الذهاب حين أحجم غيره، لم يكن قد روى سوى مقدمة ما عاشه. فحين وضع قدمه على أرض العراق، كانت الأرض نفسها تشتعل.
«كان في اليوم الواحد اثنا عشر تفجيرًا وأكثر — والقاهرة تتصل بنا يوميًا تطمئن على سلامة الموظفين»
المشهد المستحيل
لم تكن بغداد التي وصلها شاهين في أغسطس 2009 تشبه أي عاصمة عربية عرفها. يقول: «من المطار إلى المنطقة الخضراء، لم تكن ترى شيئًا سوى جدران خرسانية ونقاط تفتيش — لم أرَ بغداد الحقيقية إلا بعد وقت طويل». كانت خمس سفارات عربية — مصر والإمارات والكويت والأردن والبحرين — تتشارك الإقامة في فندق الرشيد داخل المنطقة الخضراء المحصّنة، فيما اختارت السفارات الغربية الكبرى والصينية والروسية البقاء في منطقة المنصور. وفي اليوم الواحد، كان الرجل يسمع اثني عشر انفجارًا أو أكثر، مع موجات متكررة من الضحايا.
الخطأ الأصلي: قرار بريمر الكارثي
يعود شاهين إلى الجذر: قرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بحلّ الجيش والشرطة والمخابرات العراقية دفعةً واحدة عقب سقوط النظام. يقول: «هذا القرار أفرز فراغًا أمنيًا هائلًا لم تسعَ الولايات المتحدة بجدية إلى ملئه ببناء مؤسسات عراقية راسخة — فكانت إيران الجهة الأجهز والأسرع لملء هذا الفراغ بميليشياتها وأذرعها المسلحة».
حرب الجميع ضد الجميع
يرسم شاهين صورة بالغة التعقيد للمشهد الميليشياوي: ميليشيات موالية لإيران كعصائب أهل الحق وحزب الله العراقي وجيش بدر، تحارب الوجود الأمريكي من جهة وتستهدف المكوّن السني من جهة أخرى. في مقابلها، التيار الصدري بزعامة مقتدى الصدر الذي يصفه شاهين بأنه «شيعي عروبي بامتياز، يرفض الوصاية الإيرانية ويحمل انتماءً حقيقيًا لمحيطه العربي». وعلى الهامش، تنظيم القاعدة يدّعي مقاومة الأمريكيين ويحصد أرواح المدنيين.
الانسحاب الأمريكي.. هدية من واشنطن إلى طهران
يُقيّم شاهين قرار أوباما بالانسحاب الكامل من العراق — الذي أشرف على تنفيذه نائبه جو بايدن عبر زيارات مكوكية مكثفة — بأنه جاء «قبل أوانه بسنوات». يقول: «الأرض لم تكن قد هدأت، والمؤسسات العراقية لم تترسّخ بعد — فكان هذا الانسحاب هدية استراتيجية مجانية لإيران وتركيا اللتين سارعتا إلى ملء الفراغ الجديد».
ما الذي يجمع الجزأين؟
في قراءة مركّبة لتصريحات شاهين الحصرية لـ«الصفحة الأولى»، تتضح خيوط رواية متماسكة: الغياب المصري المتعمد في الجزء الأول، والفوضى الأمنية الناجمة عن قرارات خاطئة في الجزء الثاني — كلاهما وجهان لعملة واحدة اسمها «العراق المستباح». حين قرر شاهين كسر الحاجز الأول بإعادة الحضور المصري، كان يدرك أنه يدخل إلى الثاني بعينيه مفتوحتين. وهذا بالضبط ما يجعل شهادته نادرة: أنها ليست شهادة مراقب من بعيد، بل شهادة من اختار أن يكون في قلب العاصفة.
حلّ بول بريمر الجيشَ والشرطة والمخابرات العراقية في جملة واحدة، ففتح بابًا لفوضى لا تزال تداعياتها تُلقي بظلالها على المنطقة، السفير شريف شاهين كان في قلب المشهد، ويروي لـ«الصفحة الأولى» ما رآه بعينيه.
كان في اليوم الواحد اثنا عشر تفجيرًا وأكثر، مع أعداد كبيرة من الضحايا»، بهذه الكلمات الصادمة يستهل السفير شريف شاهين شهادته لـ«الصفحة الأولى» عن المشهد الأمني الذي استقبله حين وطئت قدماه أرض بغداد في أغسطس 2009، لم يكن يرى مدينةً بقدر ما كان يتنقل بين جدران خرسانية ونقاط تفتيش، فيما كانت القاهرة تتصل به يوميًا تطمئن على سلامة موظفي البعثة، «كانت القاهرة تتصل بنا بصفة يومية — كنت أقول لهم: نحن في المنطقة المحصّنة، والأمور بخير، والحمد لله لم تقع إصابات في صفوفنا»
يُحمّل شاهين المسؤوليةَ الأولى للفوضى الأمنية إلى قرار الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر بحلّ الجيش والشرطة والمخابرات العراقية دفعةً واحدة فور سقوط النظام، يقول: «هذا القرار أفرز فراغًا أمنيًا هائلًا، والفراغ في طبيعته لا يبقى فارغًا، فكانت الجهة الأجهزة لملئه هي إيران والميليشيات التي تموّلها وتسلّحها»، ويضيف أن الولايات المتحدة لم تبذل جهدًا كافيًا لبناء مؤسسات أمنية عراقية راسخة تملأ هذا الفراغ، فأتاحت الفرصة لكل القوى الإقليمية المتربصة.
يرسم السفير شريف شاهين صورةً مغايرة للصورة النمطية عن مقتدى الصدر؛ إذ يصفه بأنه «تيار شيعي عروبي بامتياز في تاريخه وهويته، تعرّض لضغوط كثيرة لكنه أثبت شجاعةً وانتماءً حقيقيًا لمحيطه العربي»، ويروي أنه زار الصدر في النجف ضمن جولاته الدبلوماسية، وأكد له زعيم التيار أهمية الروابط المصرية العراقية وترحيبه بتطوير هذه العلاقات.
يُقيّم السفير شريف شاهين قرار الرئيس أوباما بالانسحاب الكامل من العراق، الذي أشرف على تنفيذه نائبه جو بايدن من خلال زيارات مكوكية مكثفة، بأنه كان «انسحابًا غير مدروس»، في ظل مؤسسات عراقية لم تتجذر بعد، ويرى أن هذا الانسحاب كان الهدية الاستراتيجية الأكبر لطهران وأنقرة، إذ أفرز فراغًا جديدًا سارعتا إلى ملئه.
الانسحاب الأمريكي
«الانسحاب الأمريكي كان غير مدروس — الأرض لم تكن قد هدأت، ففتح الباب على مصراعيه أمام النفوذ الإيراني والتركي في العراق»، يلفت السفير شريف شاهين إلى أن عام 2013 تحديدًا شهد توترًا طائفيًا بالغ الحدة؛ إذ أدى موجة الربيع العربي إلى انفلات كثير من عناصر القاعدة من السجون، وتسللها إلى سوريا حيث تلقّت تدريبًا وتسليحًا، ثم عادت بعضها إلى العراق لتصعيد المواجهات الطائفية مع الشيعة، ويضيف أن السياسات الطائفية لحكومة المالكي في تلك المرحلة «كانت وقودًا أضيف على جمر متّقد».
يختم السفير شريف شاهين بنظرة تفاؤلية حذرة: «العراق بلد حضاري عريق الجذور — وهذه الجذور ترفض مع الوقت كل الطفيليات وتلفظها، نحن في مرحلة التعافي، شريطة أن يكون القرار السياسي والعسكري موحدًا لدى الدولة، دون أي قوة مسلحة موازية كالحشد الشعبي — لأن أي قوة مسلحة خارج سيطرة الدولة هي بذرة للفوضى القادمة».






