و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

السفير شريف شاهين يكشف لـ«الصفحة الأولى»

كيف عادت مصر للعراق دبلوماسياً بعد غياب لسنوات ولقاء "البستانى" المرجع الأعلى للشيعة

موقع الصفحة الأولى

لم يكن غياب مصر عن العراق في أعقاب الغزو الأمريكي عام 2003 مجرد تقصير دبلوماسي عابر، بل كان — وفق ما يُلمّح إليه السفير شريف شاهين — غيابًا ذا طابع ممنهج، تشير شواهده إلى ضغوط أمريكية أرادت أن تظل الساحة العراقية بعيدة عن الحضور العربي الفاعل. فمنذ اغتيال السفير إيهاب الشريف عام 2005 في ظروف لا تزال تثير التساؤلات، جمّدت مصر حضورها الدبلوماسي الكامل في بغداد لسنوات، فيما كانت دول خليجية كالأردن والإمارات تعود تدريجيًا وتُعيد فتح سفاراتها. هذا الفراغ المصري لم يكن بلا ثمن: ملأته إيران بميليشياتها وأذرعها السياسية، وملأته تركيا بنفوذها في الشمال، وظل العراق ساحةً مستباحة للصراع الإقليمي في غياب القوة العربية الأكبر التي كان يُفترض أن تكون حاضرةً وموازِنة. حين قرر شاهين كسر هذا الحاجز وطرق باب وزير الخارجية طالبًا العودة، كان يدرك قبل غيره أن كل يوم تأخير هو يوم مكسب إضافي لأعداء الاستقرار العربي في العراق.

 السفير شريف شاهين يروي لـ«الصفحة الأولى» كيف أقنع وزير الخارجية، وكيف وصل إلى بغداد خلف الجدران الخرسانية.

السفير شريف شاهين مساعد وزير الخارجية الأسبق — سفير مصر السابق في العراق (2009–2013)، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية يصرح في حوار خاص لموقع «الصفحة الأولى»: "لم تكن العودة المصرية إلى بغداد قرارًا نزل من فوق، بل كانت ثمرة إصرار شخصي من دبلوماسي كان يقضي مهمته في زامبيا، ويرى من بُعد كيف تتراكم خسائر الغياب المصري".

يروي السفير شريف شاهين لـ«الصفحة الأولى» أنه كان يُعاين فراغًا مؤلمًا: «الأردن والإمارات سبقانا في العودة إلى العراق، وكان غياب مصر بكل ما لها من مكانة وتاريخ  عيبًا حقيقيًا لا يُقبل»، «كنت في زامبيا وأشعر أن مكاني في العراق  فذهبت إلى الوزير أبو الغيط وقلت له ذلك صراحةً، وأكدت له أنني لن أتراجع».

يمتلك شاهين رصيدًا إقليميًا ثريًا لا يتوفر لكثيرين؛ فقد خدم في لبنان إبّان اتفاق الطائف، وشهد بأم عينيه إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط السياسية في تلك اللحظة الفارقة، ثم خدم في المغرب نافذةً على تفاعلات المغرب العربي، يقول: «خبرتي ومنطلقاتي وثقافتي كلها عربية، وكنت أشعر أنني أقدر على العطاء في المنطقة العربية أكثر من أي مكان آخر»، من زامبيا، كان يراقب الفراغ المصري في العراق ويعتبره «جرحًا مفتوحًا في جسد السياسة الخارجية المصرية»، خاصةً أن دولًا عربية أخرى لم تتردد في العودة.

لم يكن وزير الخارجية أحمد أبو الغيط مستعجلًا على الموافقة؛ فكانت ذاكرة المؤسسة الدبلوماسية لا تزال مثقلة بصدمة اغتيال السفير إيهاب الشريف عام 2005، طلب الوزير تقديم طلب رسمي، ثم عاد للتحقق من ثبات إرادة شاهين قبل أن يرفع الأمر إلى الرئيس. يقول شاهين: «كان يريد أن يتأكد أنني لن أتراجع في اللحظة الأخيرة  فأكدت له أنني لن أتردد، وأنني مصرّ على الذهاب».

في أغسطس 2009، صدر القرار الجمهوري بتعيينه «سفيرًا فوق العادة مفوضًا لدى جمهورية العراق»، غير أن الاحتفال بالقرار لم يكتمل؛ ففي الشهر ذاته، دمّر تفجير إرهابي ضخم مقر وزارة الخارجية العراقية بالكامل تقريبًا، فتراجع كثير ممن أبدوا رغبةً في مرافقته عن قرارهم خشيةً على حياتهم.

يصف شريف شاهين لحظة وصوله إلى بغداد بمشهد صارخ الدلالة: «لم أرَ المدينة حين نزلت — كان الطريق كله من المطار إلى المنطقة الخضراء جدرانًا خرسانية ونقاط تفتيش، لا ترى شيئًا من بغداد الحقيقية»، كانت خمس سفارات عربية تقطن معًا في فندق الرشيد داخل المنطقة الخضراء المحصّنة: مصر والإمارات والكويت والأردن والبحرين، فيما آثرت السفارات الغربية الكبرى والصينية والروسية البقاء في منطقة المنصور.

يتذكر أنه كان في اليوم الواحد يشهد ما بين اثني عشر تفجيرًا وأكثر، مع أعداد كبيرة من الضحايا، ما دفع القاهرة إلى الاتصال به بصفة منتظمة للاطمئنان على سلامة الموظفين، «كنت أقول لهم: نحن في المنطقة المحصّنة والأمور تسير بخير، ولم تقع إصابات في صفوفنا».

دعم استثنائي

يؤكد السفير شريف شاهين أن الحكومة العراقية أبدت دعمًا استثنائيًا للوجود المصري، تجلّى بوضوح حين استهدف تفجير أبريل 2010 القنصلية المصرية في منطقة المنصور، وكان مصحوبًا بهجمات متزامنة على السفارتين الألمانية والروسية والفرنسية، أسفر الهجوم عن مقتل ضابط أمن عراقي وثلاثة جنود حماية، غير أن موظفي البعثة المصرية خرجوا بسلام، «الرئيس طالباني بنفسه أصدر توجيهاته لتشديد الحراسة وإصلاح الأضرار».

 يقول شاهين، ويلفت إلى أن تلك المرحلة شهدت لقاءً تاريخيًا: أول زيارة لسفير مصري للمرجع الديني الأعلى للشيعة، السيد علي السيستاني، في النجف الأشرف — وهو مرجع كان لا يستقبل أحدًا من الدبلوماسيين، تظل شهادة شاهين دليلًا راسخًا على أن الدبلوماسية الفاعلة لا تنتظر الاستقرار لتؤدي دورها، وأن إرادة الدبلوماسي الفرد قد تُحدث فارقًا في مسار علاقات دول بأكملها.

تم نسخ الرابط