و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

في الحروب الحديثة، لا تُحسم النتائج فقط في ساحة المعركة، بل في اللحظة التي يقرر فيها القادة السياسيون أن الحرب انتهت، وفي العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، بدأت ملامح فجوة محتملة تظهر بين الرؤية الأمريكية والرؤية الإسرائيلية لهذه اللحظة.

عندما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الحرب أصبحت "مكتملة تقريباً"، بدا التصريح في ظاهره رسالة تهدئة للأسواق العالمية، فقد تراجعت أسعار النفط التي كانت تحوم فوق 100 دولار للبرميل، وانتعشت أسواق الأسهم في عدد من العواصم المالية، في إشارة إلى أن المستثمرين قرأوا كلمات الرئيس باعتبارها تمهيدًا لنهاية قريبة للصراع.

لكن إسرائيل لم تقرأ الكلمات بالقدر نفسه من الطمأنينة، فداخل دوائر الأمن الإسرائيلية، أثارت تصريحات «ترامب» تساؤلات حول ما إذا كانت مجرد محاولة لطمأنة الأسواق، أم أنها تعكس بالفعل توجهاً استراتيجياً نحو إنهاء الحملة العسكرية قبل أن ترى إسرائيل أن أهدافها قد تحققت بالكامل، هذه الشكوك لا تتعلق فقط بتوقيت نهاية الحرب، بل بطبيعة الحرب نفسها.

نمط ترامب في إدارة الحروب

القلق الإسرائيلي لا ينبع فقط من التصريحات الأخيرة، بل من سوابق في الطريقة التي استخدم بها «ترامب» القوة العسكرية، ففي يونيو الماضي، خلال الحرب التي استمرت اثني عشر يوماً مع إيران، انضمت الولايات المتحدة إلى إسرائيل في ضرب منشآت نووية إيرانية، لكن بعد أيام قليلة من الهجمات، وافق ترامب على وقف إطلاق النار، وضغط على إسرائيل لتقليص ردها العسكري خاصة وأن الضربة الأخيرة كانت لإيران، وفي النهاية، اقتصر الرد الإسرائيلي على ضربة محدودة استهدفت منشأة رادار قرب طهران.

غير أن المثال الأكثر وضوحاً جاء في الحملة الأمريكية ضد الحوثيين في اليمن عام 2025، ففي منتصف مارس من ذلك العام، أطلقت الولايات المتحدة عملية جوية وبحرية واسعة لإجبار الحوثيين على وقف الهجمات على الملاحة الدولية في البحر الأحمر، بدأت الحملة بخطاب حاد ووعود باستعادة الردع، لكن بعد نحو سبعة أسابيع من العمليات — وبتكلفة قاربت مليار دولار وخسائر عسكرية شملت طائرات مسيّرة ومقاتلات — توصلت واشنطن إلى أن الحملة لا تحقق نتائج حاسمة، فقد نقل الحوثيون معظم أصولهم العسكرية إلى مواقع تحت الأرض، واستمروا في إطلاق النار على السفن الأمريكية وعلى إسرائيل.

وفي السادس من مايو 2025 أعلن ترامب بشكل مفاجئ انتهاء العمليات العسكرية، بعد ترتيب توسطت فيه سلطنة عُمان، وأوقف الاتفاق الهجمات على السفن الأمريكية، لكنه لم ينهِ الهجمات على إسرائيل، ورغم ذلك، قُدّمت النتيجة في واشنطن باعتبارها نجاحًا، هذه التجربة طرحت في حينها سؤالاً مقلقاً داخل إسرائيل: هل هناك نمط يتكرر في طريقة استخدام ترامب للقوة العسكرية؟

استراتيجية الضربة السريعة

يرى منتقدو ترامب أن هذا النمط يقوم على تصعيد عسكري سريع يتبعه إعلان سريع للنصر بمجرد تحقيق مكاسب محدودة يمكن تسويقها سياسياً، في هذا النموذج تُستخدم قوة كبيرة في البداية وترتفع التوقعات بشكل حاد، لكن إذا أصبحت الحملة مكلفة أو غير حاسمة، يُعاد تعريف الهدف تدريجياً، ثم يُعلن النصر، جسدت الحملة ضد الحوثيين هذا النمط بوضوح، فقد بدا أن الإدارة الأمريكية منحت العملية مهلة قصيرة لتحقيق نتائج ملموسة، وعندما لم تتحقق تلك النتائج بسرعة، تحولت الاستراتيجية إلى وقف إطلاق النار وبناء رواية سياسية عن النجاح، السؤال المطروح الآن هو ما إذا كان السيناريو نفسه يمكن أن يتكرر في الحرب مع إيران.

لغة ترامب الخطابية قبل إعلان النصر

تصريحات ترامب الأخيرة توحي بأن هذا الاحتمال ليس مستبعداَ. فالرئيس الأمريكي تحدث عن تدمير البحرية الإيرانية، وتعطيل المطارات، وشل أنظمة الدفاع الجوي والاتصالات والقيادة العسكرية، هذه اللغة لا تصف فقط العمليات العسكرية، بل ترسم إطاراً سياسياً يمكن استخدامه لاحقاً للإعلان بأن الأهداف الأساسية للحملة قد تحققت، فإذا جرى تصوير هذه الضربات باعتبارها قضت على القدرات العسكرية الرئيسية لإيران، يصبح من الممكن إعلان النصر وإنهاء العمليات في أي لحظة، لكن المشكلة التي تواجهه طيان الاحتلال الإسرائيلي أنه لا يرى الحرب بهذه الطريقة.

تباين أهداف الحرب بين إسرائيل وأمريكا

من وجهة النظر الإسرائيلية، لا يكفي تدمير بعض الأصول العسكرية الإيرانية. حيث يتمثل الهدف الأوسع في إضعاف البرنامج الصاروخي الباليستي الإيراني بشكل جذري، وتقليص طموحات طهران النووية، وإلحاق ضرر كبير بالبنية العسكرية لحلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم "حزب الله"، هذه أهداف لا يمكن تحقيقها خلال حملة قصيرة، ولهذا السبب يخشى بعض المسؤولين الإسرائيليين من أن تعريف ترامب للنصر قد لا يتطابق مع التعريف الإسرائيلي.

ومع ذلك، يحرص المسؤولون الإسرائيليون علناً على التقليل من حجم الخلاف، فبحسب مصادر إسرائيلية رفيعة، لا يوجد في الوقت الحالي تباين كبير بين الجانبين، كما أن التنسيق العسكري لا يزال قائماً، لكن في الوقت نفسه، تعترف تلك المصادر بأن تصريحات ترامب تثير احتمال إنهاء الحملة من وجهة نظره قبل الموعد الذي تفضله إسرائيل.

الغموض حول مدة الحرب

داخل إسرائيل، لا يزال الغموض يحيط بمدة الهجوم على إيران وبنوايا الإدارة الأمريكية، فيما تشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن العمليات العسكرية ألحقت بالفعل أضراراً كبيرة بمنظومة الصواريخ الباليستية الإيرانية، كما أظهرت بيانات صادرة عن دول الخليج انخفاضاً ملحوظاً في عدد الصواريخ التي أُطلقت عليها خلال الأيام الأخيرة.

لكن في المقابل، لا تزال إيران تعتمد بشكل مكثف على الطائرات المسيّرة، التي أصبحت أحد أبرز أدواتها الهجومية في المنطقة، وبينما تركز إسرائيل على استهداف منظومات الدفاع الجوي الإيرانية وما تبقى من قدراتها الصاروخية، يولي الأمريكيون اهتماماً خاصًا لمنشآت إنتاج وإطلاق الطائرات المسيّرة، نظراً لدورها في تهديد دول الخليج.

ماذا لو قررت إسرائيل الاستمرار وحدها؟

السيناريو الأكثر حساسية لا يتمثل في وقف الحرب، بل في احتمال أن تقرر إسرائيل مواصلة القتال دون الولايات المتحدة، نظرياً، تمتلك إسرائيل القدرة العسكرية على الاستمرار في تنفيذ ضربات جوية ضد إيران لبعض الوقت، مستفيدة من تفوقها الاستخباراتي والتكنولوجي، لكن عملياً، تعتمد أي حملة طويلة المدى على عناصر يصعب تعويضها دون الدعم الأمريكي، مثل الذخائر المتقدمة بعيدة المدى، والدعم اللوجستي والاستخباراتي، والأهم من ذلك الغطاء السياسي في المؤسسات الدولية.

فالحرب مع إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل صراع إقليمي واسع تتداخل فيه الجبهات من الخليج إلى شرق المتوسط، وإذا وجدت إسرائيل نفسها تقاتل بمفردها، فقد يتحول الصراع سريعاً من حملة جوية مركزة إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات، حيث تستطيع طهران الاعتماد على شبكة حلفائها الإقليميين، وعلى رأسهم حزب الله، لفتح جبهات إضافية تزيد من الضغط العسكري والسياسي على إسرائيل.

في هذا السيناريو، لن يكون السؤال ما إذا كانت إسرائيل قادرة على توجيه ضربات مؤلمة لإيران، بل ما إذا كانت قادرة على تحمّل تبعات حرب إقليمية طويلة دون المظلة الاستراتيجية التي توفرها واشنطن، فالتاريخ الحديث للتحالف بين إسرائيل والولايات المتحدة يُظهر أن القوة العسكرية الإسرائيلية غالباً ما تعمل ضمن إطار أوسع ترسم حدوده السياسية والاستراتيجية واشنطن.

ولهذا السبب، فإن قرار واشنطن بالخروج من الحرب — إن حدث — لن يكون مجرد تطور تكتيكي في ساحة المعركة، بل لحظة مفصلية قد تعيد تعريف حدود القوة الإسرائيلية في مواجهة إيران، وتكشف إلى أي مدى يمكن أن تستمر هذه الحرب عندما يغيب الشريك الأمريكي.

المعضلة الإسرائيلية

إذا قررت واشنطن في مرحلة ما إنهاء الحملة العسكرية، فقد تجد إسرائيل نفسها أمام معضلة استراتيجية معقدة، هل تنهي الحرب بالتزامن مع الولايات المتحدة، حتى لو كانت تعتقد أن التهديد الإيراني لم يُخفض بما يكفي؟

أم تواصل القتال وحدها، من دون المشاركة العسكرية الأمريكية وربما من دون الغطاء السياسي الذي توفره واشنطن؟

في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم في هذه الحرب هو حجم القدرات العسكرية التي ما زالت إيران تمتلكها.

السؤال الحقيقي هو: من يقرر لحظة النهاية؟

تم نسخ الرابط