في السنوات الأخيرة، تصاعد حضور لعبة «ليبوكس» بين الأطفال والمراهقين، باعتبارها واحدة من أكثر منصات الألعاب الرقمية انتشارًا. تقدم نفسها في صورة عالم تفاعلي مفتوح، يَعِد بالمتعة، والإبداع، والتواصل الاجتماعي. إلا أن هذا البريق الظاهري يخفي خلفه إشكاليات نفسية وتربوية متزايدة، دفعت مختصين إلى دق ناقوس الخطر بشأن آثارها بعيدة المدى على الأطفال.
منصة لا لعبة
على عكس ألعاب الفيديو التقليدية، لا تُعد «ليبوكس» لعبة واحدة، بل منصة تضم آلاف الألعاب المصغرة التي يُنشئها المستخدمون أنفسهم، هذا التصميم يمنح الطفل شعورًا زائفًا بالحرية والاختيار، بينما يعمل في الواقع وفقا لخوارزميات دقيقة تهدف إلى إبقائه أطول وقت ممكن داخل المنصة، عبر المكافآت السريعة، ونظام المستويات، والتحفيز المستمر الغير مبرر.
وأكد خبراء علم النفس أن هذا النمط يعتمد على تنشيط مراكز المكافأة في الدماغ، مما يزيد من احتمالات التعلق القهري والاستخدام المفرط لا حصر لها، خاصة لدى الأطفال الذين لم يكتمل بعد نمو آليات الضبط الذاتي لديهم.
آثار نفسية وسلوكية
كما أشارت الدراسات الحديثة إلى ارتباط الاستخدام المطول لمنصات الألعاب المفتوحة بارتفاع معدلات التشتت، وضعف القدرة على التركيز، وتراجع مهارات التواصل الواقعي. كما لوحظ مؤخرا أن بعض الأطفال يُظهرون نوبات غضب حادة عند منعهم من اللعب.
وهو ما يفسره المختصون بوصفه عرضًا من أعراض الاعتماد النفسي على اللعبة، كما تساهم العوالم الافتراضية في خلق حالة من العزلة الاجتماعية المقنّعة؛ فالطفل يبدو متصلًا بالآخرين رقميًا، لكنه في الواقع يفتقد التفاعل الإنساني المباشر الذي يُعد عنصرًا أساسيًا في بناء الشخصية والذكاء العاطفي.
مخاطر المحتوى المفتوح
من أبرز الإشكاليات المرتبطة بـ«ليبوكس» طبيعة المحتوى غير الخاضع لرقابة صارمة، فالمنصة تسمح بالتواصل بين مستخدمين من أعمار وثقافات مختلفة، ما يعرّض الأطفال لاحتمالات مشاهدة محتوى غير مناسب لسنهم أو الدخول في تفاعلات قد تحمل مخاطر نفسية وأخلاقية،ورغم وجود أدوات تحكم أبوي، إلا أن فعاليتها تظل محدودة في ظل وعي رقمي ضعيف لدى كثير من الأسر، وسهولة التفاف الأطفال على هذه القيود.
مسؤولية الأسرة والمؤسسات
يحذر تربويون من التعامل مع اللعبة كوسيلة لإشغال الأطفال أو تهدئتهم، مؤكدين أن الاعتماد على الشاشات كبديل عن التفاعل الأسري يفاقم المشكلة بدلًا من حلها. ويشددون على أن القضية لا تتعلق بالمنع المطلق، بل بوضع ضوابط واضحة للاستخدام، ومشاركة الأهل أبناءهم في اختيار المحتوى، وتوفير بدائل واقعية تُشبع احتياجات الطفل النفسية والاجتماعية.

وأنوه أن تجربة «ليبوكس» تكشف عن نموذج أوسع لتحديات العصر الرقمي، حيث تتقاطع التكنولوجيا مع الطفولة دون إطار حماية كافٍ، وبينما يظل اللعب حقًا مشروعًا، فإن ترك الأطفال دون توجيه داخل عوالم افتراضية مفتوحة قد يحول المتعة إلى عبء نفسي طويل الأمد.
وفي النهاية، يبقى السؤال مطروحًا هل نمتلك الوعي الكافي لإدارة حضور التكنولوجيا في حياة أطفالنا، أم نتركهم يواجهون وحدهم لعنة اللعب بلا حدود؟








