و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

سؤالي اليوم يفتح على قلب المجتمع والعمل الاجتماعي أكثر مما تظن وهو لماذا الاكتئاب عند الأمهات يبدو أعلى، بينما الاكتئاب عند الآباء أقل شهرة لكن موجود فعلاً؟ دعنا نقطع الشوائب ونحكي بحزم وبداهة.
أولا نعرض لكم على الطاولة نتائج وتحليل الأرقام التي لا تكذب، حيث أن الأمهات يعانين من معدل اكتئاب أعلى بكثير من الآباء، خاصة في الفترة بعد الولادة وما بعدها، معدلات الاكتئاب عند الأمهات في السنة الأولى بعد الولادة يمكن أن تصل إلى نحو 13.9 حالة لكل 100 شخص-سنة مقارنة بـ 3.56 عند الآباء في نفس الفترة، وفقا لما نشره الموقع JAMA network عام 2010.


بين الإحصاء وواقع الحياة:


هذه الأرقام ليست مجرد أرقام؛ هي ترجمة لخبرة نساء يعشن واقعا يقطع علاقته بما قبل الإنجاب.
السبب كثير، مركب، إجتماعي ونفسي وبيولوجي كالآتي:
أولا: الضغوط البيولوجية الهرمونية
تغييرات هرمونية قوية تحدث عند الأم قبل وبعد الولادة تؤثر مباشرة على المزاج وطريقة عمل الجهاز العصبي هذه التغييرات تقلب موازين الحالة المزاجية وتزيد قابلية الاكتئاب، وفقا لما نشره الموقع الالكتروني Postpartum Depression.
ثانيا: ضغوط العمل غير المرئي
أدوار الأمهات تشمل رعاية الطفل 24/7، إدارة المنزل، النوم المتقطع، والتوافق مع التغيرات الجديدة في الحياة – وهي أدوار ليست مفهومة كـ “عمل” في ثقافتنا غالبًا الضغط المتراكم من هذه المتطلبات لا يظهر في إحصائيات الدخل أو الساعات، لكنه يظهر في احتمال الاكتئاب وهذه الضغوط تتراكم مثل فوائد مركبة لسنوات.
ثالثا: المسؤولية الاجتماعية والثقافية


المجتمع يعطي الأمهات دور «الحافظة، المعطاءة، المتفانية». عندما تتعثر نفسية الأم، في كثير من الأحيان لا تُعترف المشكلة إلا بعد تفاقمها. أما الآباء فغالبًا ما تُنتظر منهم «الثبات»، حتى عندما يكونون في أزمة داخلية. التوقعات هذه تخلق عبئًا نفسيًا غير مُحتسب في مؤشرات الدعم الاجتماعي.
رابعا: قلق ما بعد الولادة ليس حكراً على الأمهات
الآباء أيضًا يصابون بالاكتئاب، خاصة بعد الولادة،  بعض الدراسات تشير إلى أن نحو 8–10% من الآباء يواجهون اكتئابًا خلال فترة ما بعد الولادة، وتزداد النسبة حين تكون الأم نفسها مكتئبة. 
خامسا: أيامنا ليست أيام الأمس
الاكتئاب ليس مجرد مزاج عابر؛ هو اضطراب نفسي يعطل الأداء اليومي، حيث تتضاعف المشكلات عندما لا يحصل الوالدان على دعم كافٍ، أو حين تكون الموارد المجتمعية محدودة في التعامل مع الصحة العقلية للأسر.
سادسا: دليل السوق الاجتماعي
أبحاث في دول تُتابع الصحة النفسية للأمهات والآباء تُظهر أن الاكتئاب لا يختفي بمجرد مرور فترة ما بعد الولادة حتى بعد سنوات من الميلاد يتواجد أثر قابل للقياس في الصحة النفسية لكثير من الأمهات مقارنة بالآباء. 
كلمتي الأخيرة أقولها أحيانًا نتعامل مع الاكتئاب كأنه “مرض نفسي” فقط، لكن في الواقع هو نتاج تفاعل بيولوجي – اجتماعي – ثقافي.
الأمهات وأكثر النساء عمومًا يتحملن عبء أدوار غير مُقيمة في القيمة السوقية لحياتهن اليومية، بينما لا يزال المجتمع يقلل من قيمة التعب النفسي الذي يعانينه.
خطر الاكتئاب عند الأمهات أعلى لأن الضغوط البيولوجية، النفسية، الاجتماعية والثقافية تتقاطع عليها في شكل قوي لا يتوفر بنفس القوة للآباء، مع أن الرجال أنفسهم يعانون أيضاً ولكن غالباً بشكل أقل ارتفاعاً في الإحصائيات ويُعطى اهتماماً أقل في التشخيص والدعم.

تم نسخ الرابط