ليس من السهل الاقتراب من ملف الإسلام السياسي دون الوقوع في أحد فخّين: إما الخطاب الأيديولوجي المسبق، أو السرد التقريري الذي يعيد إنتاج ما هو معروف، لكن كتاب "الحشاشين الجدد: من باطنية الصباح إلى انتهازية البنا" لزميلي الكاتب والباحث محمد ربيع الشرقاوي يحاول أن يشق طريقًا ثالثًا، أكثر تعقيدًا وأقل صخبًا، عبر مقاربة تاريخية- سياسية تتجاوز الأشخاص إلى البُنى.
الكتاب ينطلق من فرضية قد تبدو صادمة للبعض: أن الفاصل الزمني بين تنظيم الحشاشين في القرن الحادي عشر، وجماعة الإخوان المسلمين في القرن العشرين، لم يمنع تشكّل نمط تنظيمي واحد، يعيد إنتاج نفسه بأدوات وسياقات مختلفة.
ليست المقارنة هنا استعراضًا تاريخيًا، بقدر ما هي محاولة لفهم منطق التنظيم العقائدي المغلق، حين يتحول الدين من منظومة قيم إلى أداة سلطة.
ما يلفت الانتباه في طرح الشرقاوي هو تركيزه على البنية الداخلية للتنظيم، لا على شعاراته الخارجية. السرية الصارمة، الطاعة المطلقة، تهميش العقل النقدي، وتكريس مفهوم “الغاية تبرر الوسيلة”؛ كلها عناصر لا تُقدَّم بوصفها سمات أخلاقية، بل باعتبارها آليات سياسية لإدارة الولاء والتحكم في الأتباع، وفي هذا السياق، يبدو التنظيم ككيان موازٍ للدولة، لا كفاعل داخلها.
ورغم الطابع النقدي الواضح، لا يسقط الكتاب في التعميم أو الاتهام المجاني، فالكتاب يتعامل مع التجربة الإخوانية، خاصة بعد 2011، بوصفها لحظة اختبار عملي للفكرة والتنظيم معًا، ويذهب إلى أن الإخفاق لم يكن عارضًا أو مرتبطًا بظروف استثنائية، بل نابعًا من خلل بنيوي في تصور الدولة والسلطة والمجتمع.
القيمة الحقيقية للكتاب تكمن في أنه لا يقدّم “إدانة جاهزة”، بل يطرح أسئلة مقلقة:
السرية والطاعة
هل تتحول الأيديولوجيا، حين تُغلَق على ذاتها، إلى بديل عن الدين؟ وهل يمكن لتنظيم يقوم على السرية والطاعة أن يدير دولة حديثة قائمة على الشفافية والمواطنة؟ وأين يبدأ العنف: في السلاح، أم في الفكرة؟
لغة الكتاب تمزج بين التوثيق الصحفي والتحليل البحثي، وهو مزج قد يراه بعض الأكاديميين أقرب إلى الكتابة العامة، لكنه في الواقع يمنح النص قدرة على الوصول إلى جمهور أوسع دون التفريط في العمق، وربما لهذا السبب جاءت مقدمة الدكتور محمد الباز لتؤكد أن العمل يشتبك مع “مناطق شديدة الحساسية”، دون أن يتخلى عن مسؤوليته المعرفية.
في المحصلة، لا يمكن قراءة «الحشاشين الجدد» بوصفه كتابًا عن الماضي فقط، ولا عن جماعة بعينها، هو بالأحرى محاولة لفهم منطق يتكرر كلما التقت العقيدة بالتنظيم والسلطة، وكلما جرى توظيف المقدس في صراع دنيوي. وهو، بهذا المعنى، كتاب يثير الجدل… لكنه جدل ضروري.








