حذر الوسطاء العرب (مصر والسعودية وقطر وسلطنة عمان) الإدارة الأمريكية من عواقب توجيه ضربة عسكرية لـإيران، وأبلغ الوسطاء واشنطن أن أي هجوم سيأتي بنتائج عكسية عما تأمله، لأنه سيوحد الإيرانيين خلف نظامهم بدافع القومية.
وذلك وضح خلال حرب الـ 12 يوما في يونيو 2025، عندما وقف المؤيدين والمعارضين خلف الدولة تنديداً بالعدوان الأمريكي الإسرائيلي على بلادهم، وأيضاً خلال الاحتجاجات التي اندلعت في 28 ديسمبر 2025، حيث خرج آلاف الإيرانيين للشوارع منددين بتصريحات الرئيس الأمريكي والأوروبية والإسرائيلية عن دعمهم للمظاهرات الاحتجاجية، وتأديب النظام ونزعه بقوة السلاح واستبداله بنظام جديد.
فضلاً عن أن المظاهرات تراجعت حدتها في يومها الرابع (31 ديسمبر 2025) بإعلان المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني عن خطة الطوارئ لمدة 15 شهر، والتي تجاوبت مع مطالب المتظاهرين بزيادة الرواتب بنسبة 42%، وتخصيص حوالي 170 ألف مليار تومان لزيادة رواتب المتقاعدين، كما وسعت أعداد المستفيدين من الدعم السلعي ليشمل 80 مليون نسمة (علما بأن تعداد إيران يبلغ 90 مليون نسمة).
بعد أن كان الدعم يستهدف الطبقات الأفقر فقط، وزيادة عدد السلع إلى 11 سلعة أساسية، وتم إلغاء نظام دعم سعر الصرف للمستوردين (الذي كان يسبب فساداً) وتحويل الدعم مباشرة للمستهلك النهائي لضمان وصوله للفقراء، وتم خفض ضريبة القيمة المضافة من 12% إلى 10% لتخفيف العبء الضريبي على المستهلكين وتخصيص حوالي 8.8 مليار دولار لاستيراد السلع الأساسية ومنع قفزات أسعارها في الأسواق.
بنك العالم يحترق
الوسطاء العرب يدركون أن ترامب يتعامل مع العالم كبنك، وأنه رئيس صفقات، وينظر للشرق الأوسط خاصة جانبه العربي، كمضخة أموال وثروات طبيعية، ويراها بلغة الأرقام وليس من منظور تحالفات أو قيم ديمقراطية، لذلك يحاولون إقناعه بأن الحرب ستدمر آلة المال التي يحبها، إذا ضرب إيران فإنه لن يجد النفط وهو يريد النفط والغاز، ولن يجد أموالاً للاستثمار.
مشيرين إلى الصفقات التي أبرمها في مايو 2025، مع السعودية بـ 142 مليار دولار، وتعهد قطري باستثمار 1.2 تريليون دولار، مع الإشارة إلى أن تعطيل مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية، سيؤدي لارتفاع أسعار الطاقة، مما يضر بالاقتصاد العالمي ودول المنطقة، ويخسر ترامب تحويل ثروات الخليج لعقود سلاح وتكنولوجيا وغيرها من الصناعات التي تعمل على تشغيل المصانع الأمريكية.
مصر والسعودية وقطر وسلطنة عُمان في مأزق، فهم يدركون أن ترامب قد يبيعهم من أجل إسرائيل، وإيران صادقة في تهديداتها، وردها سيكون "رد شمشون" بتحويل المنطقة بأكملها لساحة معركة، وذلك ما أعلنه المتحدث باسم الجيش الإيراني أن نطاق الحرب سيشمل كامل جغرافيا المنطقة من الكيان الصهيوني إلى الدول التي توجد فيها قواعد أمريكية، كما قال مستشار المرشد الإيراني "إن أي عدوان، على أي مستوى سيعد بداية حرب، وردنا سيكون فوريا وغير مسبوق يستهدف المعتدي وجميع مؤيديه وقلب تل أبيب"، وإذا كان ترامب ـ والحديث هنا للمتحدث باسم الجيش الإيراني ـ يعتقد أنه يستطيع تنفيذ عملية سريعة، ثم يغرّد بعد ساعتين بأن العملية انتهت وأننا لن نقوم بأي إجراء ضد إيران، فهذا غير وارد إطلاقًا.
أمن الشرق الأوسط لا يتجزأ
إذن إيران جادة على "رد شمشون" الذي يعني أن أمن منطقة الشرق الأوسط لا يتجزأ، ولنغرق جميعاً، وذلك ما تدركه المقاومة في لبنان والعراق واليمن، التي سيقضى عليها في حال قتلت إيران، لأن الترتيبات الأميركية في منطقتنا هدفها السيطرة والاستحواذ والاستغلال كما قال زعيم جماعة أنصار الله اليمنية عبد الملك الحوثي، الذي حذر دول الخليج والأردن من اعتراض الصواريخ اليمينة وهي في طريقها للمصالح الأمريكية وإسرائيل، وأن ذلك سيضعها في عداد الأعداء.
وحذرت المقاومة من أن أي استهداف لطهران يعني توسيع دائرة الحرب بالمنطقة، معلنة جاهزيتها لدعم إيران عسكرياً حال تعرضها لأي هجوم أمريكي أو إسرائيلي، وذهب البعض منهم بمطالبة طهران بأخذ المبادرة لا الانتظار، فقد دعا القيادي في جماعة أنصار الله، ومحافظ ذمار اليمنية محمد البخيتي إلى استباق طهران العدو وتوجيه ضربة للحشود العسكرية الأمريكية لتخفيف آثار الضربة الأمريكية القادمة حتماً، وإذا تأخرت فسيكون وقع الضربة عليها أشد ألماً، وأفدح أثراً، وأعظم ضرراً.
وتأكيداً لسياسة شمشون، أعلنت طهران الخميس 29 يناير 2026، عن إجراء مناورات بالذخيرة الحية مع الصين وروسيا في بحر عمان والمحيط الهندي يومي الأحد والإثنين (أول وثاني فبراير 2026) كما جدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قوله "إذا كانت أمريكا تسعى إلى دبلوماسية حقيقية فعليها إنهاء أعمالها الاستفزازية والمسببة للتوتر، وإيران تختار طريق الحوار والدبلوماسية القائمة على الكرامة والسيادة لكنها لا تتردد في الدفاع عن نفسها".
مؤكداً "لن نسمح بأن نتعرض للتهديد أو الاعتداء أثناء المفاوضات كما حدث في التجارب السابقة وسندافع عن بلدنا وشعبنا بكل حزم واقتدار"، فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب (في الساعات الأولى ليوم الجمعة 30 يناير 2026) أجريت محادثات مع الإيرانيين وأخطط لإجراء المزيد منها، لدينا الكثير من السفن الحربية التي تبحر باتجاه إيران الآن وسيكون من الرائع ألا نضطر لاستخدامها، أخبرت الإيرانيين بأمرين أولاً لا للنووي وثانياً أوقفوا قتل المتظاهرين.
العثماني الجديد ولنات إيران
المناورات وتصريحات الرؤساء، جاءت بعد ساعات من إعلان أنقرة القيام بدور الوساطة بين طهران وواشنطن، واقتراح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بعقد مؤتمر عبر الفيديو بين الرئيس الأميركي ونظيره الإيراني لخفض حدة التوترات، وذلك وفقا لما أفاد به موقع "ميدل إيست آي"، الذي أوضح أن ترامب أبدى اهتمامه بالمبادرة التي طرحها أردوغان، في حين لم يصدر أي رد رسمي من جانب بزشكيان، ودون توضيح لتفاصيل المبادرة وإن كان بعض المحللين يرونها تتضمن إعادة هندسة الصراع والأهداف.
دخول تركيا على خط الوساطة ليس حبا في إيران، وإنما محاولة من جانب أردوغان للبحث عن دور، وأنه لاعب رئيسي لا عوض عنه في المنطقة، وخوفاً من أن تؤدي الضربة الأمريكية الموعودة إلى زلزال يضرب تركيا أيضاً، التي تخشى تعاظم قوة الطموحات الكردية على حدودها الشرقية، مما يهدد وحدة أراضيها، وتدفق الملايين من اللاجئين الإيرانيين والأفغان المقيمين في إيران، وهو أمر لا يطيقه الاقتصاد التركي ولا الداخل السياسي، كما أن إيران هي ممر حيوي لتركيا نحو أسواق وسط آسيا، وشريك أساسي في ملفات الطاقة والغاز.
علماً بأن تركيا ترى إضعاف إيران فرصة ذهبية للتمدد في سوريا والعراق والقوقاز، وتريد "وراثة النفوذ الإيراني" لكن دون دفع ثمن الفوضى، وهو ما يجعل الموقف التركي متذبذباً؛ فهي تدعم إضعاف إيران سياسياً، لكنها ترتعب من انهيارها عسكرياً.
وفي ذلك السياق، تسعى أنقرة لتخدير طهران بإقناع بزشكيان بأن الحوار الافتراضي قد يؤخر الضربة، لكن بزشكيان يخشى أن يكون العرض "فخاً" للاستدراج أو مجرد وسيلة لفرض شروط استسلام مذلة أمام عدسات الكاميرا، خاصة وأن ترامب عاشق للقمم التاريخية أمام الكاميرات، التي تجعله في مركز الأحداث، والقمة مع إيران (حتى لو كانت افتراضية) ستكون خبر عالمي يخدم صورته كصانع صفقات.
ويبدو أن إيران خلال زيارة وزير خارجيتها عباس عراقجي لإسطنبول يوم الجمعة (30 يناير 2026) ولقاء نظيره التركي هاكان فيدان وأردوغان، أدركت فخ التخدير، خلال مناقشة تفاصيل "الضمانات" التي يمكن أن تقدمها أنقرة لضمان ألا تتحول القمة إلى جلسة "إملاءات" أمريكية، لذلك صرح مستشار المرشد الإيراني "كشفنا خططا تحاك ضدنا وسنضرب في الوقت المناسب".
مؤكداً على نظرية شمشون بقوله "المواجهة لن تنحصر في البحر فقط، ولدينا سيناريوهات أشمل تتضمن هجوما على العمق الإسرائيلي، وسنلجأ إلى خيارات أكثر فعالية للدفاع عن أمننا الوطني وسلامة أراضينا عند الضرورة".. كما أعلن عراقجي "اللنات الخمسة" وهي:" لن نتفاوض تحت التهديد.. لن تكون القدرات الدفاعية محل تفاوض.. لن نسعى لامتلاك سلاح نووي الحرب لن تكون داخل إيران، ولن تكون محدودة".
ويبقى الوسطاء العرب (مصر والسعودية وقطر وسلطنة عُمان) في مأزق فسقوط إيران يعني أن العرب سيقعون بين طرفي مقص لا يرحم، إسرائيل ستسيطر على الجنوب والقلب الاقتصادي، بينما تتمدد تركيا في الشمال السوري والعراقي وصولاً إلى القوقاز، فضلاً عن مشروعها الذي تنفذه في ليبيا، كما يخشى العرب من صعود تركيا، الذي يعيد الحياة لتيارات السلام الإسلام مرة أخرى.
لذلك لا يرغب الوسطاء في سقوط أو تحييد إيران، ويريدونها قوية رغم الخلافات التاريخية، لأنها الدرع الواقي ضد الهيمنة الإسرائيلية والمشروع العثماني الجديد الساعي للتمدد في العمق العربي، لذلك فإن تركيا جزء من صناعة الشرق الأوسط الجديد، وهو الدور الذي رفضته إيران، التي كتبت شهادة وفاة لمبادرة أردوغان، بإبلاغ مصر رفضها القطاع للتفاوض المطلق تحت الشروط الأمريكية، ورفضها التام أي مفاوضات تشترط مناقشات صواريخها البالستية ومداها، والتي تعتبرها خطا أحمر، وستقوم بتطوير صواريخ أكثر تقدمًا إذا لزم الأمر، وأنها قد تهاجم أهدافًاً أمريكية في جميع أنحاء المنطقة إذا اقتضى الأمر، وذلك وفقاً لما نقلته صحيفة "وول ستريت جورنال" ومصادر عربية قريبة الصلة من إيران لـ "الصفحة الأولى".








