في «حكاية نرجس» لا تقدم ريهام عبد الغفور مجرد دور درامي جديد، بل تقدم حالة تمثيلية مكتملة تؤكد أن الممثل الحقيقي لا يكتفي بتجسيد الشخصية، بل يعيد تشكيلها من الداخل، فالشخصية التي تجسدها هنا ليست شخصية تقليدية أو مريحة للمشاهد؛ بل امرأة مضطربة نفسيًا، مجرمة بالفعل، ترتكب أفعالها بوعي كامل، لكنها في الوقت نفسه تمتلك قدرة مدهشة على تبرير هذه الجرائم لنفسها، وكأنها تعيد صياغة منطقها الخاص كي تتفادى أي مواجهة حقيقية مع ضميرها.
هذا النوع من الشخصيات غالبًا ما يتحول في الدراما إلى مساحة للمبالغة أو الأداء الصاخب، لكن ريهام عبد الغفور اختارت طريقًا أكثر تعقيدًا وهدوءًا، فهي تتعامل مع الشخصية كما لو أنها قدر ثقيل تعيشه من الداخل، لا مجرد دور تؤديه أمام الكاميرا، لذلك جاء أداؤها قائمًا على الاقتصاد في التعبير، وعلى بناء الحالة النفسية عبر التفاصيل الصغيرة التي تتسلل بهدوء إلى المشهد.
وكانت لغة العيون هي أداتها الأكثر حضورًا في هذا البناء، فالنظرات المتغيرة بين القسوة والبرود، واللحظات التي يمر فيها ارتباك خافت خلف ملامح، متماسكة، تكشف للمشاهد عالمًا داخليًا مضطربًا دون حاجة إلى انفعال مباشر أو خطاب درامي صاخب، وفي أكثر من لحظة استطاعت ريهام عبد الغفور بنظرة عين واحدة أن تشرح ما يدور في عقل الشخصية؛ أن تكشف ترددها أو قسوتها أو حساباتها الداخلية دون أن تنطق بكلمة، هنا يبدو الأداء كأنه يكتب طبقات الشخصية بصمت، وهو ما يتطلب درجة عالية من الوعي والسيطرة على أدوات التمثيل، وقدرة دقيقة على ضبط الإيقاع الداخلي للشخصية.
ومن خلال هذا الأداء المتزن يتضح أن ريهام عبد الغفور لم تعد تتحرك داخل منطق المنافسة التقليدية بين الممثلات، فالمسألة لم تعد إثبات قدرة أو البحث عن حضور، بل فرض حضور فني خاص يضعها في مساحة مختلفة، مساحة لا تقوم على المقارنة بقدر ما تقوم على التفرد، ولهذا يبدو حضورها على الشاشة وكأنه يفرض إيقاعه الخاص على المشهد.
النضج الفني
ولعل ما يلفت الانتباه في مسيرتها خلال السنوات الأخيرة أنها نجحت في بناء علاقة متينة مع الجمهور تقوم على الثقة، فالمشاهد بات ينتظر ظهورها في أي عمل وهو مطمئن إلى أمرين أساسيين: وعي في الاختيار، وقدرة على تقديم أداء يحمل قدرًا من الصدق والعمق الإنساني.
وفي المقابل، لا يمكن إغفال دور المخرج سامح علاء في صياغة هذه التجربة، فالرجل يتعامل مع الصورة بوعي سينمائي واضح، ويعرف كيف يمنح الممثل المساحة اللازمة كي تتكشف الشخصية تدريجيًا أمام المشاهد، هذا الحس البصري ليس مفاجئًا إذا تذكرنا أن سامح علاء سبق أن حصد السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي عن فيلمه الروائي القصير «16»، وهو إنجاز يعكس قدرة حقيقية على بناء لغة بصرية دقيقة وهادئة.
بهذا التلاقي بين أداء ممثلة بلغت درجة لافتة من النضج الفني، ورؤية إخراجية تدرك قيمة التفاصيل، تتحول «حكاية نرجس» إلى تجربة درامية تؤكد أن التمثيل الحقيقي لا يقوم على الاستعراض، بل على القدرة على خلق إنسان كامل أمام الكاميرا، بكل تناقضاته وضعفه وقسوته.
وفي النهاية، في «حكاية نرجس» لا تقدم ريهام عبد الغفور دورًا ناجحًا فحسب، بل تقدم درسًا جديدًا في التمثيل يؤكد أن الفنان الحقيقي لا ينافس الآخرين بل يخلق مساحته الخاصة.








