و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

ليست العبرة بمن سبق، بل العبرة بمن صدق واستمر، ومع اقتراب رحيل الضيف الكريم، يطرح السؤال نفسه بحدة على كل مسلم: هل كان شهر رمضان مجرد "استراحة محارب" نعود بعدها لما كنا عليه، أم كان "نقطة تحول" وانطلاقة لعهد جديد مع الله؟ إن العبرة بتمام العمل، وبقاء الأثر في السلوك والخلق بعد انقضاء الأيام المعدودات.

يخطئ من يظن أن العبادة تنتهي بانتظار هلال العيد؛ فالمؤمن الحصيف هو من يشد مئزره في الأيام الأخيرة، مدركاً أن الخواتيم هي ميراث العمل كله، إن الساعات الأخيرة من شهر رمضان تمثل "خلاصة التجربة"؛ ففيها ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيها يشتد السباق لنيل العتق من النار. إن الوداع الحقيقي لرمضان لا يكون بالدموع المصبوبة فحسب، بل بالقلوب التي عاهدت خالقها على أن تجعل من هذا الشهر مدرسة لا تنتهي حصصها بانتهاء أيامه.

إن الحكمة من فرض الصيام سنوياً هي تدريب النفس على "الاستقامة"؛ تلك الكلمة التي لخصت مراد الدين كله.،فالصيام لم يكن محطة مؤقتة للامتناع عن الطعام والشراب، بل كان دورة تدريبية مكثفة لإدارة الذات وضبط النوازع البشرية. 

إن الذي استطاع أن يهجر المباحات طاعةً لله طوال ثلاثين يوماً، هو أقدر الناس على هجر المحرمات طوال العام، ومن هنا، تصبح الاستقامة بعد شهر رمضان هي المعيار الحقيقي لمدى نجاح المسلم في استثمار مدرسته الإيمانية.

يقول السلف الصالح: "من علامة قبول الحسنة، الحسنة بعدها"، فإذا وجد المسلم في نفسه بعد شهر رمضان رقةً في القلب، وسماحةً في الخلق، وحرصاً على الصلاة، وإقبالاً على القرآن، فليستبشر خيراً؛ فهذه هي ثمرات التزكية التي غرسها الصيام، إن كمال الصيام يتجلى في تحويل الشعائر إلى فضائل؛ فالسكينة التي سكنت الروح في صلاة التراويح يجب أن تتحول إلى هدوء وحلم في التعامل مع الناس، والجود الذي تدفق في رمضان يجب أن يستمر كمنهج عطاء لا ينقطع برحيل الشهر.

لا يُطلب من المسلم أن يظل في حالته الرمضانية القصوى طوال العام، فهذا فوق الطاقة البشرية، ولكن يُطلب منه ألا يهدم ما بنى، إن القليل الدائم خير من الكثير المنقطع؛ لذا فإن الحفاظ على "ورد" يومي بسيط من القرآن، والمواظبة على السنن الرواتب، وتخصيص نصيب من الليل ولو بركعتين، هي الضمانات التي تحمي النفس من الانتكاس.

 إن بناء "عادات إيمانية" ثابتة هو السر في بقاء أثر رمضان في تفاصيل حياتنا اليومية وأعمالنا المهنية وعلاقاتنا الأسرية، فيجب ألا ننظر إلى رمضان كحدث تعبدي فردي، بل كقوة دافعة للأمة نحو النهوض، إن الانضباط والوقتية والتكافل التي تعلمناها في الصيام هي الركائز التي نحتاجها لبناء مجتمع قوي ومتماسك.

آثار الصيام

إن رحيل شهر رمضان ليس نهاية للمسير، بل هو إعلان عن بدء مرحلة "التطبيق العملي" لما تعلمناه في خلوتنا مع الله، فليكن رحيله انبعاثاً لروح جديدة تسعى للإصلاح والبناء والاستقامة في كل ثغر من ثغور الحياة.

وهكذا، يبقى شهر رمضان حاضراً فينا ما بقيت آثار صيامنا في أخلاقنا، وما استمرت أنوار قرآننا تضيء دروبنا، لنعلم يقيناً أن رب رمضان هو رب الشهور كلها، وأن العمر ما هو إلا محطات للتزكية حتى نلقى الله وهو راضٍ عنا، ومن خلال الالتزام بمبدأ "أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل"، عبر وضع جدول بسيط يشمل حداً أدنى من القرآن والذكر والصلوات الرواتب.

ولا ننسى أن العلماء يرون أن من أهم علامات القبول هي التوفيق للطاعة بعدها، وظهور أثر الصيام في تحسن الأخلاق والتعامل مع الآخرين، ولا يشترط نفس الوتيرة في العبادة كمثل الحال النشيط في رمضان، ولكن يُنصح بعدم ترك قيام الليل بالكلية، ولو بركعتين قبل النوم أو قبل الفجر للحفاظ على الصلة الوثيقة بالخالق عزوجل.

تم نسخ الرابط