دعاني ابني لمشاهدة فيلم الملحد للكاتب ابراهيم عيسى ، وللوهلة الأولى تاخذ انطباع ان كاتب النصف الاول لهذا الفيلم يختلف عن كاتب النصف الثاني للفيلم ، فإبراهيم عيسى لاختلاف الجوهري العميق مع السلفيين كانت فكرة الألحاد في النصف الاول من الفيلم فكرة سطحية جداً ، فانت تفاجئ بالشاب الملحد يحيى والذي جسد شخصيته الفنان احمد حامد يهرول مسرعاً بين الحارات والأزقة والطرقات ليمنع مصيبة او حدث جلل وهو زواج اخته القاصر وفي النهاية لا يمنع شيئا إلا انه يجاهر بالكفر وانه ملحد.
ان هذه البداية توحي للمشاهد ان الملحد مثقف ويسعى للإصلاح قدر استطاعته وأن المتدين غبي وهو العقبة الحقيقة الوحيدة امام الإصلاح هذا ما اراد صناع الفيلم الإيحاء به في عقل المشاهد ، النصف الاول من الفيلم هو امتحان من سؤالين، أولهما بماذا يتميز المتدين؟ وكانت الاجابة بالغباء وضيق الأفق والجمود والوقوف امام اي محاولة اصلاح ، بصراحة مطلقة (حمار) كما جاء على لسان شقيقة صانع التماثيل (الفنان حسين فهمي) ، والسؤال الثاني ما هي المنطلقات الفكرية للملحد والمتشكك في دينه ؟ وكانت الإجابات نمطية سطحية ولم تعرض آراء الملاحدة بشيء من العمق ولا حتى الردود عليها والتي استطاع علماء الكلام عبر الف سنة ويزيد من الرد عليها وقد أسهب المعتزلة والأشاعرة في الرد على كل حجج الملحدين حتى حوار الدكتور مصطفى محمود مع صديقه الملحد ، حتى ان اشكالية معرفة الوليد ان رزقه في صدر امه دون مثال سابق هدت فكر الالحاد من اساسه والذي في الغالب يقوم على مخاصمة المجتمع اما في فهمه للنصوص الدينية او في طريقة تطبيقه لها فهو مرض اكثر منه فكر ، لذلك انبثق من بين الملحدين من قال باللا أدرية ومنهم من قبل بوجود اله ولكنه خلقنا وتركنا دون أوامر او نواهي ، المهم ان هذا النصف من الفيلم يعطيك شعور ان كاتبه اما جاهل لم يقرأ في هذا الفكر الذي يناقشه او مغرض يريد محاربة الفكر الديني الذي يراه منغلقاً ومتزمتاً ويستعصي على التطوير.
ونأتي الي النصف الثاني من الفيلم والذي توقف فيه الكاتب عن مناقشة قضية الالحاد بسطحية الاستتابة الاولى وناقش علاقة اكثر عمقاً وخصوصيّة وهي علاقة الابن بابيه وهنا اخذت القصة بعد آخر وقد ابدع الكاتب في تصوير هذه العلاقة وهذا الصراع الأبدي بين الأجيال وكيف تؤثر تصرفات وافكار الكبار في عقول الصغار وان اتهام الاب المتزمت للمدرسة المتحررة بالكفر انطبع في عقل الصغير فعقد لها محكمة في عقله ادانتها بالكفر وحكمت عليها حكماً بالإعدام دونما استئناف او نقض رغم حسن تعاملها معه وعطفها عليه والذي لم يشكل عائقا له لتنفيذ جريمته والقائها من الشرفة ، ولكن بعد التنفيذ كان حسن تعاملها معه هو من ألقى بذور الشك في نفسه والتي طرحت شعور بالذنب على فعله وكره لأبيه وافكاره قاده الي الألحاد فعاد الكاتب وباقتدار يقول لنا ان الألحاد ليس قضية فكرية او عقيدة إيمانية ولكنه مرض نفسي يصيب الملحد ودارت جلسات الاستتابة والتي من المفترض مناقشة فكر الملحد الي محاكمة لعلاقة غير سوية بين اب مخلص لعقيدته ومنغلق بغباء على أفكاره والتي يعتقد بصحتها وابن ضائع ومرتاب من عقدة الذنب وإدانته للأب والتي انسلخت على معتقداته وأفعالك فارتمى في احضان الألحاد ليس عن اقتناع بالالحاد ولكن عن رفض شديد للآب وافكاره التي جعلت منه مجرماً قاتلاً.
افضل ما فعله الكاتب هي الجلسات التمهيدية في المستشفى بين الاب المريض بالكبد وبين الابن الذي صارحه برفضه له ومعتقداته والتي تستمر حتى هذه اللحظة التي يرفض الاب نقل جزء من الكبد له لان نقل الاعضاء حرام وان الانسان لا يمتلك أعضاءه و ان هذه الاعضاء هي هبة من الله يستخدمها لغرضها ثم تسترد بالوفاة وهذه قضية اخرى تم مناقشتها بين الفقهاء وانتهت بجواز نقل الاعضاء عن جمهور العلماء فلماذا أصر الاب على رفضها؟ لا سبب إلا التزمت المقيت الذي يعيش فيه الاب ويرفضه الابن.
كان من الافضل تسمية الفيلم باسم يدل على مناقشة العلاقة بين الاب والابن بدلا من اسم الملحد والذي يدل على مناقشة العلاقة بين الإنسان والله ، وقطعاً فان النهاية المنطقية للأحداث تكون بين اثنتين اما ضياع الابن في غياهب الالحاد مصاباً بالجنون او العته وأما موت الاب بما يمثله من عقائد منغلقة متزمته فتكون الصدمة التي تصيب الابن فلا يبقى لديه إلا علاقة الفرع بالأصل اي علاقة الولد بابيه فيعود الي رشده ويقوم ينفض عنه مرض الالحاد ويصلي إماماً للناس على جثة أبيه المسجي في النعش عائداً من رحلة الالحاد والضياع الي حضن المجتمع والدين ، وكانت لحظات مؤثرة انتزعت الدمعة من عيون المشاهدين كما اقرت الرضا في نفوسهم ، الجزء الثاني من الفيلم عظيماً عميقاً يناقش باقتدار قضية تهم معظم البيوت المصرية والتي يتمرد فيها الشبان على افكار الآباء وتأخذ بعدا مختلفاً من بيت الي بيت طبقاً للخلفية الاجتماعية والثقافية والعلمية لأطراف العلاقة او قل النزاع وقد نجح الفيلم في ذلك نجاحاً كبيراً.
ونأتي الي الفيلم كمها درامي من الناحية الفنية ، نستطيع ان نقرر ان محمود حميدة نجح بالعلامة الكاملة في تمثيل دور الأب المتدين المنغلق المتزمت ومنح الشخصية بعداً رائعا بأداء راقي وفهم عميق لابعاد الشخصية ولا اكون مبالغاً إذا قلت انه أعاد اكتشاف نفسه في هذا الفيلم ، وكذلك نجح حسين فهمي بخبرته ان ينقل للمشاهد ان شخصيته هي النموذج الذي يجيزه الكاتب ويقدمه اصحاب العمل بديلاً عن شخصية المتزمت وعن الالحاد، احمد بدير الطبيب النفسي المريض بالفشل الكلوى استطاع بهدوء شديد وكلمات قليلة ولكن تعبيرات فنان متمكن ان يؤكد ان الحاد الشاب هو مرض علاجه الزمن.
الفنان احمد حاتم صاحب الدور الرئيسي (يحيى حافظ) كان جيداً في تناول الشخصية ولو كان الحوار عميقاً في النصف الاول من الفيلم اظنه كان ابدع في الاداء اكثر من ذلك ، صابرين كانت مقنعة في دور الام التي تخاف ان تفقد ابنها بعد جلسات الاستتابة ولكنها لم تكن مقنعة بنفس الدرجة في دور الزوجة التي تجاري زوجها أفكاره رغم عدم اقتناعها ، ولكن للإنصاف أدت مشهد خلع الحجاب باقتدار فنانة متميزة ، تارا عماد لم يكن دورها مؤثراً في الاحداث لو قام المخرج بحذف الدور ما شعر المشاهد بفرق اما شيرين رضا فهي في الحقيقة محيرة حتى في ادائها لشخصية الطبيبة التي انتحر شقيقها كانت في بعض المشاهد مقنعة وفي مشاهد اخرى سطحية جدا وغير مقنعة وكأنها ممثلة مبتدئة.
بقيم ان نقدم تحية خاصة للديكوريست امير عبدالعاطي وللمصور نزار شاكر ، واخيراً الفيلم من اخراج محمد العدل .








