و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

 ليست كل الأعمال الدرامية قابلة للمشاهدة بالدرجة نفسها؛ فبعضها يُتابع، وبعضها يُنسى، بينما القليل فقط يُشاهد بوصفه تجربة فنية متكاملة، ويأتي مسلسل «إتنين غيرنا» ضمن هذا النوع الأخير، حيث يبدو العمل أقرب إلى بناء درامي واع بتفاصيله الدقيقة، لا مجرد حكاية تروى.

منذ اللحظات الأولى يفرض العمل منطقه الفني القائم على العناية بالتفاصيل، فاختيار الملابس لا يؤدي وظيفة جمالية فحسب، بل يتحول إلى عنصر سردي يعكس تحولات الشخصيات الداخلية، كما أن إدراج مشاهد من أفلام قديمة داخل الأحداث لم يكن مجرد استدعاء بصري للحنين، بل توظيفا ذكيا للذاكرة السينمائية بوصفها مرآة تعكس الصراعات العاطفية التي يعيشها الأبطال.

أما الموسيقى، فقد جاءت جزءا عضويًا من البناء الدرامي، تدخل في اللحظة التي تسبق الذروة الشعورية للمشهد، فتخلق ذلك التوتر الهادئ الذي يسبق الإدراك العاطفي لدى المشاهد هذا الاستخدام الواعي للصوت يعكس فهما عميقًا لدور الموسيقى بوصفها لغة موازية للصورة، لكن أحد أهم عناصر قوة العمل يكمن في بنائه للشخصيات، فالمسلسل لا يكتفي بتطوير مسار البطل والبطلة، بل يمنح كل شخصية، مهما بدا حضورها محدودًا، مساحة نفسية واضحة ودوافع إنسانية مقنعة.

وبهذا المعنى، تبدو الحكايات الجانبية جزءًا لا يتجزأ من النسيج الدرامي، لا مجرد خطوط فرعية تملأ الفراغ، وقد انعكس هذا البناء المتماسك على أداء الممثلين، فقد قدم كل من ناردین فرج، فدوى عابد، نور إيهاب تامر أمين، صدقي صخر، وصابرين النجيلي أدوارهم بتمكن لافت، حيث بدا الأداء قائما على فهم دقيق لطبقات الشخصية لا على استعراض انفعالي مباشر، أما دينا الشربيني وآسر ياسين.

 فقد واجها شخصيتين تحملان تعقيدًا إنسانيًا واضحًا، يتطلب قدرة على التنقل بين مستويات متعددة من المشاعر، وجاء أداؤهما قائمًا على اقتصاد تعبيري ملحوظ؛ حيث لعبت التفاصيل، الصغيرة - نبرة الصوت، لحظات الصمت وتعابير العين دورًا أساسيا في بناء الحالة الدرامية، سيناريو رنا أبو الريش بدوره يقدم نموذجا لـكتابة درامية تحترم الواقع دون أن تقع في فخ التسجيلية المباشرة، فالحوار يبدو طبيعيًا وقريبا من لغة الحياة اليومية، بينما تحافظ البنية الدرامية على توازن دقيق.

بين تطور الأحداث والشخصيات

ومن الناحية الإخراجية، يظهر خالد الحلفاوي واثقا من أدواته، متجنبًا المبالغة البصرية أو الإيقاع المتسارع الذي يطغى أحيانًا على كثير من الأعمال المعاصرة. فالإخراج هنا يعتمد على هدوء محسوب يسمح للتفاصيل بأن تظهر والشخصيات بأن تتنفس داخل المشهد، ولا يمكن إغفال دور الموسيقى في تشكيل الهوية الشعورية للعمل، خصوصًا في أغنية التتر التي جاءت بألحان وكلمات عزيز الشافعي، بينما حملها صوت أنغام بإحساس صادق جعل كثيرًا من المشاهدين يشعرون وكأن المسلسل يروي قصة حياتها، حتى اضطرت أنغام نفسها إلى نفي ذلك.

وإذا كان من الممكن البحث عن مرجع فني سابق لدراما العلاقات الواقعية بهذا المستوى من الصدق، فإن فيلم «سهر الليالي يبقى أحد أبرز الأعمال التي اقتربت من هذا الخط، حيث قدّم بدوره قراءة إنسانية دقيقة لتعقيدات العلاقات الزوجية والاجتماعية، ومن المهم أيضًا الإشارة إلى دور المنتج محمد السعدي، الذي يظهر في هذا العمل كمنتج يمتلك رؤية فنية راقية، إلى جانب احترافية تسويقية واضحة.

فالإنتاج هنا لا يكتفي بتمويل العمل، بل يشارك في صناعته بوصفه مشروعًا فنيًا متكاملاً، ويبدو أن هذا النوع من الإنتاج يقوم على احترام حقيقي للمشاهد بوصفه الطرف الأهم في المعادلة، فالجمهور هو المشتري الحقيقي للعمل الفني، واحترام وعيه وذائقته هو أساس نجاح أي تجربة درامية، ولعل ما يمنح «إتنين غيرنا» قيمته الحقيقية هو اختياره الواضح للرصانة الفنية، فالعمل يخلو من الابتذال أو المشاهد المضافة بدافع الإثارة، ويبدو حريصًا على أن تخدم كل لقطة فيه الفكرة الأساسية للنص.

ولهذا لم يكن غريبا أن يتحول العمل إلى أحد أكثر، الأعمال تفاعلا على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فحين يشعر المشاهد أن العمل يلامس تجربته الشخصية يصبح الحديث عنه امتدادًا طبيعيًا لمشاهدته كثيرون كتبوا وكأن المسلسل يحكي قصتهم هم، أو يفتح صفحة من ذاكرتهم الخاصة.

وهنا تحديدا تكمن قوة العمل الحقيقية حين ينجح الفن في أن يجعل كل مشاهد يشعر، ولو للحظة، أن هذه الحكاية هي حكايته، ولذلك، فكما ستبقى حكاية المسلسل حاضرة في، الذاكرة، ستظل أغنياته أيضًا تتردد طويلا، وربما لسنوات، لأنها خرجت من نفس المكان الذي خرجت منه الحكاية نفسها من إحساس صادق يشبه حياة الناس.

تم نسخ الرابط