مستأنف جنايات تلغى حكم سجنها ثلاث سنوات
عقود مزورة لخطوط محمول ونص رسائل ومكالمات تبرئ سيدة إتهمها زوجها بسمعتها
لم تكن القضية أمام محكمة الجنايات مستأنف الفيوم مجرد واقعة تهديد وابتزاز عبر تطبيق «واتس آب»، بعدما كشفت أوراق الدعوى عن خلافات زوجية وقضايا متبادلة بين الطرفين، امتدت إلى اتهامات بالزنا وتزوير عقود خطوط هواتف، لتجد المحكمة نفسها أمام سلسلة من الوقائع والأدلة التي دفعتها في النهاية إلى التشكيك في صحة إسناد الاتهامات إلى الزوجة، والقضاء ببراءتها وإلغاء حكم سابق بسجنها 3 سنوات.
وبدأت تفاصيل القضية بحكم محكمة الجنايات عندما أسندت النيابة العامة إلى المتهمة، خلال شهري يناير وفبراير من عام 2025 بدائرة مركز الفيوم، اتهامات بتهديد زوجها كتابة بإفشاء أمور مخدشة بالشرف وصور شخصية لأشقائه، مقابل الحصول على مبالغ مالية، فضلاً عن اتهامها بنشر تلك الصور وتهديده بها، وانتهاك حرمة حياته الخاصة من خلال الحصول على صور شخصية لشقيقاته دون رضاهن، وإنشاء حساب على تطبيق «واتس آب» لاستخدامه في ارتكاب الجرائم محل الاتهام.
كما شملت الاتهامات الواردة فى أمر الإحالة أمام محكمة الجنايات توجيه عبارات سب وقذف للمجني عليه وأسرته، وإرسال رسائل بكثافة إليه عبر تطبيق «واتس آب» دون موافقته، وتعمد إزعاجه ومضايقته باستخدام أجهزة الاتصالات.

وكانت محكمة أول درجة قد قضت في 11 مايو 2026 حضورياً بمعاقبة المتهمة بالسجن لمدة 3 سنوات، وإلزامها بالمصاريف الجنائية، مع إحالة الدعوى المدنية إلى المحكمة المدنية المختصة، وهو الحكم الذي لم يحظ بقبول المحكوم عليها، فتقدمت باستئناف عليه في 8 يونيو 2026، مطالبة بإلغائه والقضاء ببراءتها.

وخلال نظر محكمة الجنايات الاستئناف، تمسك دفاع المتهمة بكيدية الاتهام وتلفيقه وانتفاء صلتها بالواقعة، مستنداً إلى ما قال إنه ثبوت تزوير عقود خطوط هواتف نسبت إليها، وقدم حوافظ مستندات تضمنت صوراً من قضايا أخرى وتقارير فنية دعمت وجهة نظره.

كواليس الخلاف
وبعد أن فحصت محكمة الجنايات بمستأنف الفيوم أوراق القضية ومستنداتها، رأت أن أدلة الاتهام لم تبلغ درجة الكفاية التي تسمح بإسناد الجرائم إلى المتهمة على وجه اليقين، خاصة مع وجود خلافات ونزاعات قضائية متبادلة بين الزوجين.

وتوقفت المحكمة أمام محضر إداري اتهم فيه الزوج زوجته بالزنا، قبل أن يتم حفظ المحضر، معتبرة أن ذلك يكشف عن مدى الخلاف والشقاق بين الطرفين، وأن تلك الخلافات انعكست على الاتهامات محل القضية.
كما رصدت محكمة الجنايات قضية أخرى تتعلق باتهام المتهمة لزوجها وآخرين بتزوير عقود خطوط هواتف، من بينها الخط الذي قيل إنه استُخدم في ارتكاب واقعة التهديد محل المحاكمة.

واستندت محكمة الجنايات في تشككها إلى ما ورد بتقرير قسم أبحاث التزييف والتزوير، والذي انتهى إلى أن التوقيعات الموجودة على عدد من عقود خطوط الهواتف المنسوبة إلى المتهمة ليست صادرة عنها.
ولم تتوقف محكمة الجنايات المستأنف عند ذلك، وإنما اطلعت كذلك على تقرير فني صادر عن الهندسة الإذاعية بالهيئة الوطنية للإعلام، والذي أثبت – بحسب الحكم – خلو هاتف المتهمة من عبارات تهديد أو سب لأي شخص.

كما رصد التقرير الفني محادثات ومكالمات بين أحد المتهمين في قضية تزوير خطوط الهواتف وآخرين، تضمنت أحاديث عن القضية محل المحاكمة، من بينها حديث يتعلق بكيفية إجراء فحص فني لهاتف وخطوط اتصال، بما أثار مزيداً من الشكوك لدى المحكمة حول سلامة الدليل الفني المستخدم في إسناد الواقعة إلى المتهمة.
وأشارت المحكمة إلى مكالمة أخرى تضمنت حديثاً عن الشريحة محل الواقعة، وما إذا كانت موجودة في هاتف المتهمة، وربط ذلك بواقعة السب والقذف، وهو ما اعتبرته المحكمة من العناصر التي زادت من شكها في صحة الاتهام.
ومن بين الأدلة التي توقفت أمامها المحكمة أيضاً ما ورد في تقرير الفحص الفني لهاتف أحد المتهمين في قضية تزوير عقود الخطوط، حيث عثرت جهات الفحص على رسائل بينه وبين أحد المتهمين تضمنت إرسال بطاقات شخصية وطلب إنشاء خطوط بأسماء أصحاب تلك البطاقات مقابل مبالغ مالية.
وكان من بين البطاقات التي ظهرت في المحادثات بطاقة الرقم القومي الخاصة بالمتهمة، مع طلب إنشاء خط باسمها، وذلك بتاريخ 20 يناير 2025.
وبحسب الحكم، ظهر اسم المتهمة في بعض تقارير الفحص الفني المحفوظة على هاتف المتهم، ومن بينها محضر الفحص المتعلق بالقضية محل المحاكمة، وهو ما اعتبرته المحكمة قرينة إضافية تدعو إلى التشكيك في نسبة الخط المستخدم في الواقعة إلى المتهمة.
كما ناقشت المحكمة بيان المكالمات الصادرة من الخط الذي قيل إنه استُخدم في ارتكاب الواقعة، والذي تمسك دفاع المجني عليه بأنه يثبت استخدام المتهمة له.
إلا أن المحكمة رأت أن هذا البيان لا يكفي وحده لإثبات حيازة المتهمة للخط، خاصة أن الخط أجرى اتصالات عدة بتاريخ 30 يناير 2025 على رقم المجني عليه، بينما لم يقرر الأخير أن زوجته اتصلت به هاتفياً، كما لم يقدم تفسيراً لسبب تلك الاتصالات.
وتوقفت المحكمة كذلك أمام ما قررته المتهمة منذ بداية التحقيقات من أنها غادرت منزل الزوجية دون هاتفها المحمول، وهو ما لم ينكره المجني عليه.
ورأت المحكمة أن تقرير الفحص الفني، رغم إشارته إلى استخدام الخط محل الواقعة، لم يثبت على نحو قاطع ويقيني أن الخط كان باسم المتهمة أو أنه كان في حوزتها وقت ارتكاب الواقعة، خاصة في ظل وجود القضية الأخرى المتعلقة بتزوير عقود الخطوط.
وزادت المحكمة من تشككها بعدما تبين لها من المستندات أن شركة «فودافون مصر» أفادت بتلف العقد الخاص بالرقم محل الواقعة، وأنه تم تحرير محضر عن واقعة التلف.
كما أشارت المحكمة إلى محضر آخر تقدم فيه وكيل المتهمة ببلاغ ضد الشركة، بسبب تحريرها محضراً عن تلف العقد في 27 نوفمبر 2024، في حين أن عقود الخطوط محل الواقعة حررت في الفترة من 28 إلى 30 يناير 2025، أي بعد تاريخ واقعة التلف التي استندت إليها الشركة.
واعتبرت المحكمة أن هذا التسلسل الزمني يمثل عنصراً آخر يعزز شكها في كون المتهمة هي المستخدمة الفعلية للخط محل الاتهام.
وبعد استبعاد الأدلة التي لم تطمئن إليها المحكمة، لم يتبق أمامها – بحسب أسباب الحكم – سوى تحريات المباحث، والتي أكدت المحكمة أنها لا تصلح بمفردها لإقامة الاتهام، باعتبارها دليلاً ظنياً يحتاج إلى ما يعززه من أدلة أو قرائن أخرى.
وشددت المحكمة على أن الأحكام الجنائية يجب أن تبنى على الجزم واليقين المستند إلى دليل معتبر، وليس على الظن والاحتمال، مؤكدة أن مجرد تشكك المحكمة في صحة إسناد الاتهام إلى المتهم يكفي للقضاء بالبراءة.
وانتهت المحكمة، بعد تمحيص أوراق الدعوى ومناقشة أدلة الاتهام ودفاع المتهمة، إلى أنها لم تطمئن إلى ثبوت الاتهامات المنسوبة إليها، وأن الأدلة لم تبلغ حد الكفاية اللازمة للإدانة.
وفي ختام حكمها، قضت محكمة جنايات مستأنف الفيوم، برئاسة المستشار أيمن ممدوح أحمد، وعضوية المستشارين وائل محمد علي حسين وأحمد حجاج محمود، بقبول الاستئناف شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء مجدداً ببراءة المتهمة من الاتهامات المنسوبة إليها.
كما أمرت المحكمة بمحو التسجيلات والرسائل محل الجريمة، ليُسدل بذلك الستار على القضية التي بدأت باتهامات بالتهديد والابتزاز الإلكتروني مقابل 50 ألف جنيه، وانتهت إلى البراءة بعدما أثارت وقائع تزوير خطوط الهواتف والخلافات القضائية بين الزوجين شكوك المحكمة في سلامة إسناد الاتهام.
