و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع

"إستقالت حتى تتخلص من الضغط وتشهد بالحق"

ممرضة مستشفى "المحور" تكشف كل التفاصيل بواقعة وفاة الطفل "مدثر" أمام النيابة

موقع الصفحة الأولى

لم تكن الساعات الأخيرة في حياة الطفل مدثر داخل مستشفى المحور، مجرد رحلة إنقاذ انتهت بالوفاة، وإنما تحولت إلى رواية متشابكة من الأسئلة والاتهامات، تبدأ من طفل لم يجد طاقم التمريض وريدًا لتركيب كانولا به، وتنتهي باتهامات عن غياب طبيب جراحة أطفال، ورفض السماح لطبيب استدعته الأسرة بالتدخل لإنقاذه، ثم خلاف جديد حول ما جرى تدوينه في الملف الطبي بعد الوفاة.

وبين بداية الحكاية ونهايتها، تقف شهادة الممرضة تغريد حسن أحمد علي فى مستشفى المحور ، التي عايشت جانبًا من تلك الساعات داخل مستشفى المحور، لتكشف في أقوالها أمام جهات التحقيق تفاصيل ما شاهدته، وما قيل لها عن أسباب تعطل التدخل الجراحي، وصولًا إلى اتهامها إدارة المستشفى بالتقصير، قبل أن تتحدث عن ضغوط قالت إنها تعرضت لها وانتهت باستقالتها من العمل.

بدأت الحكاية مساء الثاني من أغسطس 2026، عندما تلقت تغريد اتصالًا من مشرف الوردية  داخل مستشفى المحور الممرض أحمد حسن، يخبرها بوجود طفل في الدور الأول من المستشفى، وأن محاولات طاقم التمريض لتركيب كانولا له لم تنجح، طالبًا منها التوجه للمساعدة.

“مش عارفين يركبوله كانولا”.. بداية رواية الممرضة

لم تكن المشكلة، وفقًا لما روته الممرضة، مجرد صعوبة عادية في تركيب الكانولا فى مستشفى المحور؛ فالطفل كان في حالة صدمة، وجسده شاحب، ومحاولات التمريض المتكررة لم تنجح في الوصول إلى وريد مناسب. وهناك، شاهدت ممرضة تحاول تركيب كانولا في الذراع اليسرى، لكنها لاحظت أنها خارج الوريد، وأشارت إلى ذلك، بينما أكد طبيب التخدير الموجود أن الأمر على ما يرام، وبدأ تشغيل المحاليل.

غادرت تغريد مستشفى المحور، لكنها لم تكن تعلم أن الطفل نفسه سيعود أمامها بعد وقت قصير، وهذه المرة داخل غرفة الرعاية المركزة، بعدما جرى تكليفها باستقبال حالته.

في نحو التاسعة مساءً، استقبلت الطفل مدثر داخل مستشفى المحور، لتجد حالته أكثر خطورة مما شاهدته قبل ذلك؛ كان شبه فاقد للوعي، شديد الشحوب، وبطنه منتفخة بصورة كبيرة ومتحجرة. وبناءً على تعليمات طبيب رعاية الأطفال الدكتور إسلام، ركبت له كانولا في الجانب الأيمن من الرقبة، وسُحبت العينات اللازمة لإجراء التحاليل.

لكن الأزمة لم تكن قد وصلت إلى ذروتها بعد.

فمع تدهور حالة الطفل، حضرت والدته بطبيب جراحة الأطفال مصطفى جاد إلى مستشفى المحور، بعدما تبين لها، بحسب ما ورد في شهادة الممرضة، عدم وجود طبيب جراحة أطفال بالمستشفى. وصل الطبيب في نحو العاشرة أو العاشرة والنصف مساءً، وفحص الطفل، وانتهى إلى حاجته لتدخل جراحي عاجل يتضمن تركيب درنقة وقسطرة وريدية مركزية.

هنا بدأت العقدة التي تدور حولها واحدة من أهم نقاط النزاع في الواقعة: طبيب يرى أن الطفل يحتاج إلى تدخل جراحي، وأسرة تبحث عن فرصة لإنقاذه، وممرضة تقول إن الأطباء الموجودين وافقوا على دخوله العمليات، لكن الطفل لم ينتقل إليها.

تقول تغريد إنها أبلغت الموجودين بأن التجهيزات تمت وأن الطفل يجب أن يدخل غرفة العمليات داخل مستشفى المحور، وإن الدكتور إسلام والطبيبة منال عبد الخالق كانا موافقين على ذلك. غير أن الخطوة لم تتم، وبدأت رحلة من التعطيل، كان أولها، بحسب روايتها، مطالبة الاستقبال والدة الطفل بالتوجه إلى الحسابات لسداد المبلغ المطلوب، وهو ما فعلته الأم بالفعل، قبل أن يظهر سبب آخر يتعلق بعدم تواصل غرفة العمليات معهم.

لكن الممرضة تضع يدها على السبب الأهم من وجهة نظرها؛ وهو عدم وجود طبيب جراحة أطفال داخل المستشفى، ثم رفض السماح للطبيب مصطفى جاد بإجراء التدخل الجراحي لأنه ليس من الأطباء المقيدين بالمستشفى.

وتقول في شهادتها إن الطبيب مصطفى كان مستعدًا لتحمل المسؤولية كاملة عن تدخله، كما أن والدة الطفل عرضت التوقيع على إقرار بالموافقة على تدخله وعدم تحميل المستشفى المسؤولية، إلا أن ذلك لم يغير الموقف، وظل الطفل داخل الرعاية دون إجراء الجراحة التي طلبها الطبيب.

لم تكن تغريد صاحبة قرار في تلك المواجهة، لكنها تقول إنها عرفت من مشرف الوردية أحمد حسن أن رفض دخول الطفل العمليات ارتبط برفض السماح للطبيب مصطفى بالتدخل، لكونه ليس من أعضاء الفريق الطبي بالمستشفى. وعندما سُئلت عمن يملك سلطة الموافقة أو الرفض، أشارت إلى الطبيب أو المدير المناوب، باعتباره المسؤول عن إدارة المستشفى خلال فترة الليل.

ومع استمرار تدهور الحالة، لم ينتظر الطبيب مصطفى جاد، بحسب رواية الممرضة، إجراء الجراحة الكاملة، وطلب منها تجهيز كانولات مقاس عشرين، ثم أجرى تدخلًا لتفريغ الهواء والسوائل من بطن الطفل، بوضع كانولا في الجانب الأيمن من البطن وأخرى في منتصفها أسفل عظمة القص، وذلك في نحو منتصف الليل.

وتقول تغريد إن الإجراء تم بموافقة الطبيبة منال والدكتور إسلام، وإنها شاهدت خروج الهواء ثم السوائل والصديد من بطن الطفل، قبل أن تلاحظ هدوءه نسبيًا واقتراب بطنه من وضعها الطبيعي.

كانت تلك لحظة بدت فيها الأمور وكأنها تتجه إلى انفراجة، لكن ما حدث بعدها لم ينهِ الأزمة. فقد تلقى فريق الرعاية اتصالًا من تمريض العمليات يطلب نقل الطفل لتركيب قسطرة وريدية مركزية، فنقلته تغريد في نحو الواحدة صباحًا، وظل داخل غرفة العمليات قرابة ساعة وربع، قبل أن يعود إلى الرعاية في نحو الثانية والربع صباحًا.

وتؤكد الممرضة أن المستشفى لم تكن قد أحضرت طبيب جراحة أطفال حتى ذلك الوقت، وأن الطبيب مصطفى لم يُسمح له بإجراء التدخل الجراحي الذي طلبه. وبعد عودة الطفل، استمر الفريق في إعطائه العلاج، إلا أن حالته التنفسية تدهورت مرة أخرى، وظهرت أعراض حساسية بدأت في الساق ثم امتدت إلى البطن، فأبلغت تغريد الطبيب إسلام، الذي وجه بإعطائه العلاج اللازم.

وفي السادسة والنصف صباحًا، غادرت الممرضة المستشفى بعد تسليم الحالة إلى ممرض آخر، ولم تكن تعرف أن تلك ستكون آخر مرة تشاهد فيها مدثر. وفي اليوم التالي، علمت من أحد زملائها بوفاته، وعرفت لاحقًا أنه تعرض لتوقفات متكررة في عضلة القلب، ووُضع على جهاز التنفس الصناعي.

لكن وفاة الطفل لم تكن نهاية الحكاية، بل بداية مواجهة أخرى حول المسؤولية عما جرى.

فعندما سُئلت تغريد عن تقييمها لما شاهدته خلال التعامل مع الحالة، لم تتردد في القول إنها ترى أن تقصيرًا وإهمالًا حدثا. وحددت أسباب ذلك في عدم وجود طبيب جراحة أطفال أو حتى جراحة عامة بالمستشفى، وعدم إحضار طبيب متخصص قادر على التدخل، ورفض السماح للطبيب مصطفى جاد بإجراء التدخل الذي رأت أنه كان ضروريًا لإنقاذ الطفل، رغم استعداد الطبيب والأم لتحمل المسؤولية وفقًا لما ذكرته.

وبالنسبة إليها، لم يكن الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر الطبية، وإنما سؤال عن الجهة التي كان يتعين عليها اتخاذ القرار في لحظة حرجة: من يملك صلاحية الموافقة على تدخل طبيب متخصص لإنقاذ طفل تتدهور حالته؟ ومن يتحمل مسؤولية عدم توفير التخصص اللازم داخل المستشفى؟

ثم انتقلت أقوال الممرضة إلى ملف آخر أكثر حساسية، يتعلق بما جرى تدوينه في الملف الطبي للطفل بعد الواقعة. فقد قالت إنها علمت بوجود تغييرات في الملف، رغم أنها لم تشاهد تلك التغييرات بنفسها، موضحة أن الممرض مجاهد ومحمد أيمن، مشرف الرعاية، منعاها من الاطلاع عليه.

وتضيف أنها علمت من الممرض مجاهد أن محمد أيمن طلب منه تعديل الملف بهدف حماية المستشفى من أي إجراء قد تتخذه والدة الطفل، بينما أبلغها الأخير بأن إدارة الجودة تراجع الملف. وأوضحت أن الجزء التمريضي من الملف كان من اختصاصها، وأنها تولت تدوين بياناته وملاحظاته، في حين كان الجزء الطبي من اختصاص الدكتور إسلام.

وهنا لم يعد الخلاف، وفقًا لما ترويه الممرضة، متعلقًا فقط بما حدث للطفل أثناء وجوده في المستشفى، وإنما امتد إلى ما جرى تسجيله عن تلك الفترة، وما إذا كانت البيانات المدونة تعكس حقيقة ما حدث أم طرأت عليها تعديلات.

وتقول تغريد إن الضغوط لم تتوقف عند منعها من الاطلاع على الملف؛ إذ ذكرت أنها تعرضت لمضايقات في العمل، وأنها طُلب منها ألا تشهد ضد المستشفى إذا طلبت منها والدة الطفل الإدلاء بأقوالها، حتى لا تخسر مصدر رزقها. وانتهى الأمر، بحسب شهادتها، بتقديم استقالتها في السادس والعشرين من أغسطس 2026، بعدما شعرت أن وجودها في المستشفى أصبح مرتبطًا بمحاولات لمنعها من قول ما تعرفه عن الواقعة.

وهكذا، تكشف شهادة الممرضة تغريد عن مسارين متداخلين في قضية الطفل مدثر: الأول يتعلق بالساعات التي سبقت وفاته، وما أثير خلالها عن غياب طبيب جراحة أطفال ورفض تدخل طبيب استدعته الأسرة، والثاني يتعلق بالملف الطبي وما ذكرته الشاهدة عن تعديلات وضغوط أعقبت الواقعة.

وبين رواية الممرضة وما قد تقدمه إدارة المستشفى أو باقي الأطراف من ردود، تظل الكلمة الفصل للتقارير الطبية والفنية والتحقيقات، التي يتعين عليها تحديد حقيقة ما جرى، ومدى وجود خطأ طبي أو إداري، وما إذا كان أي تقصير قد ساهم في تدهور حالة الطفل ووفاته، وصولًا إلى تحديد المسؤولية القانونية لكل طرف.

تم نسخ الرابط