أرقام تقليص القطاع الخاص
التأميم والاشتراكية.. ماذا كسب الاقتصاد المصري في عهد عبد الناصر وماذا خسر؟
لم يكن التأميم في عهد الرئيس جمال عبد الناصر مجرد قرارات بنقل ملكية شركات وبنوك من القطاع الخاص إلى الدولة، وإنما كان جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل الاقتصاد المصري، بدأ تدريجيًا بعد ثورة يوليو 1952، ثم وصل إلى ذروته مع موجات التأميم الكبرى في الستينيات، بالتوازي مع تبني التخطيط المركزي والاشتراكية وتوسيع ملكية الدولة لقطاعات الصناعة والتجارة والتمويل.
وبعد أكثر من نصف قرن، يظل السؤال الاقتصادي حاضرًا: ماذا كسبت مصر من التجربة الناصرية، وماذا دفعت في المقابل؟
بدأ التحول تدريجيًا. ففي عام 1957 اتجهت الدولة إلى توسيع تدخلها في النشاط الاقتصادي، ثم جرى تأميم بنك مصر عام 1960، قبل موجات التأميم الواسعة في يوليو 1961 وما تلاها، والتي نقلت غالبية الشركات الصناعية والتجارية الكبيرة والمتوسطة إلى ملكية الدولة. وارتبط ذلك بإطلاق أول خطة خمسية شاملة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال الفترة 1960/1961–1964/1965.
كان الهدف يتجاوز السيطرة على الشركات؛ فقد أرادت الدولة بناء قاعدة صناعية وطنية، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتوسيع فرص العمل، وتحقيق قدر أكبر من إعادة توزيع الدخل والثروة.
حولأبرز مكاسب التجربة كان تغيير هيكل الاقتصاد المصري. فالصناعة، التي كانت محدودة الوزن قبل الخطة الخمسية، توسعت بصورة ملموسة. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الإنتاج الصناعي ارتفع بنحو 50% خلال سنوات الخطة الأولى، وارتفعت مساهمة الصناعة في الناتج من نحو 20.7% عام 1959/1960 إلى 23.1% عام 1964/1965، رغم أن هذه النتيجة جاءت أقل من المستهدف الذي كان يقترب من 30%.
كما اتجهت الاستثمارات إلى صناعات استراتيجية، بينها الحديد والصلب، والكيماويات، والأسمدة، والبترول، والنسيج، والمعدات والآلات ووسائل النقل. وكانت الخطة تستهدف استثمار نحو 1.697 مليار جنيه مصري خلال سنواتها، مع تخصيص 34% من الاستثمارات للقطاع الصناعي.
السد العالي
أما السد العالي، فكان أحد أكبر مشروعات الدولة في تلك المرحلة؛ إذ وفر أساسًا لتوسيع الرقعة الزراعية وتحسين التحكم في مياه النيل وزيادة إنتاج الكهرباء. وقد اعتبر صندوق النقد الدولي أن استكمال المرحلة الأولى من المشروع فتح إمكانات كبيرة لزيادة الإنتاج الزراعي والطاقة.
وفي الجانب الاجتماعي، توسعت الدولة في التعليم والصحة والخدمات العامة، وارتبط التوظيف الحكومي والخدمة العامة بسياسة أوسع لخلق فرص عمل للخريجين. وتشير الدراسات الاقتصادية إلى ارتفاع العمالة من نحو 6 ملايين عام 1959/1960 إلى حوالي 7.3 مليون عام 1964/1965، وإن كانت بعض الزيادة تعكس أيضًا التوسع في العمالة الحكومية ووجود قدر من العمالة الزائدة.
خلال سنوات الخطة الخمسية الأولى، ارتفع الناتج المحلي الحقيقي بنحو 37%، بما يعادل معدل نمو سنوي مركب بلغ نحو 6.5%، مقابل 4.8% خلال السنوات الخمس السابقة. كما ارتفع نصيب الفرد من الناتج بمعدل سنوي بلغ نحو 3.6%.
وهذه الأرقام مهمة لأنها تكشف أن تقييم الاقتصاد الناصري باعتباره تجربة فاشلة بالكامل لا يتفق مع البيانات الخاصة بهذه المرحلة.
خسائر الاقتصاد
المشكلة الأساسية لم تكن في ملكية الدولة في حد ذاتها بقدر ما ارتبطت بطريقة إدارة الاقتصاد بعد التأميم.
فمع انتقال مساحات واسعة من النشاط الاقتصادي إلى الدولة، تراجعت مساحة القطاع الخاص والحوافز المرتبطة بالربحية والمنافسة. وأصبحت مؤسسات الدولة مطالبة في الوقت نفسه بتحقيق أهداف اقتصادية واجتماعية وتشغيلية، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى تضخم العمالة وضعف الكفاءة.
ويشير تقييم صندوق النقد الدولي لتجربة الخطة إلى أن عملية التأميم الواسعة خلقت مشكلات انتقالية لم تكن قد حُلت بالكامل، بينها الحاجة إلى اللامركزية، وتحسين نظم المحاسبة، وخلق الحوافز المناسبة، وإعادة النظر في سياسات الأسعار.
كما ظهرت مشكلة أخرى أكثر خطورة، وهي الفجوة بين الإنفاق والإنتاج، فخلال سنوات الخطة ارتفع الطلب الكلي أسرع من الناتج؛ وبلغت الزيادة في الطلب نحو 55%، بينما ارتفع الناتج بنحو 37% فقط. ونتج عن ذلك فائض طلب بلغ 728 مليون جنيه، امتصت منه زيادة الأسعار نحو 310 ملايين جنيه، بينما جرى تمويل الجزء الآخر من خلال عجز الحساب الجاري.
وزادت الضغوط مع التوسع الائتماني؛ إذ تضاعف الائتمان المحلي القائم خلال سنوات الخطة، بينما ارتفع المعروض النقدي بنحو 64%، في مقابل نمو الناتج الحقيقي بنحو 37%.
القطاع الخاص
لم تحقق الزراعة في عهد عبد الناصر جميع المستهدفات. فقد ارتفع الإنتاج الزراعي بنحو 18% خلال الخطة، مقابل مستهدف بلغ 26%، وإن شهدت الأراضي المستصلحة توسعًا ملحوظًا.
وفي الوقت نفسه، أدى توسع الدولة إلى تقليص الدور الاقتصادي للقطاع الخاص، خصوصًا بعد تأميمات 1961 و1963. وهنا بدأت تظهر معضلة ستظل مصر تواجهها لسنوات: كيف يمكن للدولة أن تقود التنمية دون أن تتحول الملكية العامة إلى بيروقراطية تعوق الكفاءة والمنافسة؟
الحكم على التجربة الناصرية يحتاج إلى التفريق بين مرحلتين: مرحلة بناء القدرات الصناعية والمؤسساتية وتوسيع الخدمات، وبين المشكلات التي تراكمت نتيجة التوسع الشديد في دور الدولة.
فقد تركت التجربة قاعدة صناعية ومشروعات بنية أساسية، وتوسعًا في التعليم والصحة والتوظيف، وارتفاعًا ملموسًا في معدلات النمو خلال الخطة الخمسية الأولى. وفي المقابل، دفعت مصر ثمنًا في صورة ضعف الحوافز الاقتصادية، وتضخم الجهاز العام، ومشكلات الكفاءة، واختلالات بين الطلب والإنتاج، وضغوط على الميزان الخارجي.
الأرقام تشير إلى نجاح واضح في بناء قطاعات وقدرات اقتصادية جديدة، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن امتلاك الدولة للأصول لم يكن كافيًا وحده لضمان الكفاءة الاقتصادية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى في التجربة الناصرية: فقد نجحت الاشتراكية في تغيير شكل الاقتصاد المصري بسرعة، لكنها لم تنجح بالقدر نفسه في حل المعادلة الأصعب: كيف تتحول ملكية الدولة إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى نمو مستدام، والنمو إلى رفاه اقتصادي لا يعتمد على التوسع المستمر في الإنفاق العام؟.







