رسالة ماجستير بجامعة سوهاج
التغطيات الصحفية للعدوان الإسرائيلي على غزة تتسم بنفس الحذر السياسي
نوقشت بكلية الآداب جامعة سوهاج رسالة الماجستير المقدمة من الباحثة عزة إبراهيم محمود السيد في موضوع " أطر معالجة الصحافة العربية للعدوان الإسرائيلي على غزة (2023–2024) وتكونت لجنة المناقشة من الدكتور فوزي عبدالغني والدكتور هاني السمان أساتذة الصحافة بجامعة سوهاج كمشرفين على الرسالة، والدكتور صابر حارص أستاذ الصحافة بجامعة سوهاج والدكتور حلمي محسب أستاذ الصحافة بجامعة قنا مناقشين
أخضعت الدراسة عينة من المحتوى الصحفي بثلاث صحف عربية للتحليل طوال عامي الاعتداء على غزة (الأهرام المصرية، النهار اللبنانية، القبس الكويتية)
وكشفت النتائج عن خطاب إعلامي حاول الموازنة بين واجبات التغطية الصحفية والتداعيات الإنسانية من جهة، وبين الحسابات السياسية والجهود الدبلوماسية المعقدة من جهة أخرى
وأوضحت النتائج بالفعل معالجات تحذر من محاذير الانزلاق إلى مواجهة مباشرة أو صدام غير محسوب مع قوة الاحتلال وحلفائها الدوليين وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية
التغطية انحازت للتأطير الانساني السياسي
أظهرت النتائج أن الصحافة العربية اتجهت في مجملها إلى أن تكون صحافة تأطير "إنساني - سياسي - صراعي" في المقام الأول، وهو ما يعكس رغبة واضحة في الانحياز للمأساة الإنسانية كمسار "آمن" وتضامني لا يترتب عليه تبعات سياسية مباشرة
غير أن هذه النتيجة الإجمالية شهدت تباينًا عند تفكيك الخطاب على مستوى كل صحيفة على حدة؛ إذ منحت صحيفة الأهرام الأولوية المطلقة للإطار الإنساني في صدارة معالجتها، يليه الإطار السياسي ثم صراع الإرادات، بما يتسق مع الموقف الرسمي المصري المتمسك بالتهدئة وفتح المعابر ومنع التهجير دون الانخراط في خطاب تصعيدي
بينما وازنت صحيفة النهار في صدارة اهتمامها بين إطاري الصراع والاطار الإنساني معًا قبل أن يحل الإطار السياسي تاليًا، تحت وطأة الاشتباكات الميدانية المباشرة على الجبهة اللبنانية الجنوبية والخشية من توسع الحرب
بينما خالفتهما صحيفة القبس بوضع الإطار السياسي على رأس أولوياتها التحريرية، متقدمًا على الإطارين الأخلاقي والصراعي، انسجامًا مع الدبلوماسية الكويتية المركزية في التنديد السياسي والإغاثة
تغطية مهنية على الرغم من تدمير غزة
وعلى صعيد سمات الأداء التحريري والموضوعية، جاءت التغطية الكلية متصفة بكونها معالجة "دقيقة - تحيزية - متوازنة" غير أن هذا الترتيب كشف عن تمايز في مستويات السقف التحريري؛ حيث اتسمت الأهرام بالدرجة الأولى بالدقة والاعتماد على البيانات الرسمية، لكنها مالت بدرجة قريبة نحو التحيز لغزة متراجعةً بالحياد إلى ذيل سماتها
بينما هيمنت الدقة على تغطية النهار مع بروز لافت للتوازن في المرتبة الثانية متقدمًا على التحيز، انعكاسًا للتعددية السياسية الحذرة في الداخل اللبناني والحرص على عدم توحيد الخطاب، في حين غلبت الدقة على صياغات القبس الخبرية تلاها التحيز ثم المبالغة.
إبراز للمأساة وتجنب التبرير العسكري
وفيما يتصل بآليات التأطير وحجية الإثبات، ركزت الصحافة العربية كإطار عام على ثلاثية "البروز والتكرار والخلفيات التاريخية" مدعومة بـ "الشواهد والأدلة والتبرير"
وتجلت هذه الأدوات بصور مختلفة بين الصحف؛ حيث اعتمدت الأهرام بصفة أساسية على البروز ثم الخلفيات التاريخية والتكرار مستندةً على الشواهد الميدانية والأدلة الموثقة للتركيز على حجم المأساة دون الدخول في تبريرات عسكرية لعمليات المقاومة
بينما ركزت النهار على البروز والتكرار مدعمة طروحها بالشواهد والأرقام الإحصائية، في حين قدمت القبس البروز والتضخيم واستندت في حججها على الشواهد ثم التبرير وعرض الحلول السياسية
واقعية الأرقام وتوظيف العاطفة بالتضامن
أما على مستوى البناء الإقناعي، فقد بدا الخطاب الإعلامي محكومًا ببنية واقعية - إحصائية من الناحية المنطقية، وبنية لغوية - أحادية - رمزية من الناحية العاطفية؛ حيث رجحت الأهرام كفة الاستشهاد بالوقائع والأرقام مع الاتكاء على الأساليب اللغوية الشديدة الشحن وعرض وجهة النظر الواحدة، وشاركتها النهار الارتكاز الواقعي والعقلاني مع ميل عاطفي نحو استدعاء الرموز والشعارات، بينما اعتمدت القبس كليًا على الواقع والأرقام منطقيًا مع تقديم الشحن اللفظي وعرض الرأي الواحد عاطفيًا
تجريد الاحتلال إنسانيًا والدفاع عن شيطنة غزة
وفيما يخص تكنيكات الخطاب، كانت الصحافة العربية في إجماليها صحافة دفاع عن محاولات إسرائيل بشيطنة غزة، وشخصنة العدوان في رئيس الوزراء نتينياهو أو حتى في يحيى السنوار قائد عمليات الدفاع؛ حيث صبت الأهرام تركيزها على شيطنة الممارسات الإسرائيلية والتجريد من الإنسانية ثم شخصنة الأحداث، بينما ذهبت النهار نحو شخصنة الصراع في المقام الأول تلاها ادعاء الدفاع عن النفس ثم الشيطنة لمواكبة الخطاب الميداني المتصاعد على حدودها، في حين أبرزت القبس تكتيك ادعاء الدفاع عن النفس في المقدمة قبل الشيطنة والتجريد
تغطية صحفية محكومة بالسقوف الرسمية
وأخيرًا، جاء البناء التحريري العام محمولاً على قوالب "خبرية - تقريرية تركز على قضية "الخسائر المادية والبشرية وتضع قوات الاحتلال في صدارة الشخصيات الفاعلة بالاعتماد على المسؤولين ومحرري المواقع
ورغم أن الصحف اعتمدت أساليب إخراجية متقاربة ترتكز على تصدر العناوين الرئيسية والكلمات النشطة والصور الخبرية، إلا أن النتائج في مجملها تشير إلى أن الخطاب الصحفي العربي -رغم تعاطفه الواضح وتوثيقه للانتهاكات- ظل في معظمه محكومًا بسقوف السياسة الرسمية وحسابات عدم الاندفاع، معطيًا الأولوية لنقل وقائع العدوان وإبراز كلفته الإنسانية على حساب تبني خطابات مواجهة حاد كان يمكن أن تأتي في مقالات وتحقيقات استقصائية.








