تجربة حية يكشف عنها عمر هريدى المحامى
رحلة تقدير "ضريبة التصرفات العقارية" بين الجزافية و«هو كدة وإن كان عاجب»
كشفت الواقعة التي شهدتها مصلحة الضرائب بفرع "صقر قريش" عن فجوة عميقة بين شعارات وزارة المالية وبين ممارسات بعض موظفي الضرائب على أرض الواقع، في الوقت الذي تسعى فيه الدولة لتسهيل إجراءات التعامل مع مصلحة الضرائب لدعم الاقتصاد.
فواقعة المحامي الشهير عمر هريدي، عضو مجلس النقابة العامة للمحامين، لم تكشف فقط عن تعنت إداري، بل طرحت علامات استفهام، عن كيف يعامل المواطن الحريص على أداء حق الدولة؟ وماذا يحدث للمواطن البسيط إذا كان هذا هو نصيب "رجل القانون" من التعامل البيروقراطي؟
تبدأ تفاصيل القصة في عام 2018، عندما اشترى عمر هريدي، شقة سكنية من إحدى الشركات العقارية الخاصة بمبلغ 2.5 مليون جنيه، ومع تحركات السوق العقاري وتراجع قيمة الجنيه أمام الدولار والتضخم الطبيعي خلال السنوات الماضية، باع نفس الشقة في يوليو 2026 بملغ 7 ملايين جنيه.
وقال عمر هريدي إنه انطلاقا من خلفيته القانونية، وحرصا منه على التطبيق الكامل للقانون وسداد مستحقات الدولة، توجه بملفه إلى مصلحة الضرائب في صقر قريش، خلال المهلة القانونية، أقل من شهر من تاريخ البيع، لسداد ضريبة التصرفات العقارية البالغة 2.5% من قيمة عقد البيع، والتي تقدر بـ 175 ألف جنيه، مصحوبا بصورة عقد البيع وبطاقة الرقم القومي.
لكن المحامي الشهير اصطدم بحائط البيروقراطية، حيث بدأت رحلة التعطيل عبر مرحلتين: ففي اليوم الأول وصفه بالطلبات التعجيزية، حيث فوجئ بالموظف المختص يرفض استلام الأوراق، مطالباً بضرورة إحضار أصل عقد البيع النهائي وصورته، بالإضافة إلى أصل عقد الملكية القديم لعام 2018 وصورته، متعللاً بعبارة شهيرة تتكرر في أروقة المصالح: هذه تعليمات الجهات الرقابية.
وفي اليوم الثاني، بعد أن امتثل للتعليمات وأحضر كافة الأصول المطلوب إطلاع الموظف عليها، فوجئ بتغيبر الحجة، حيث انتقل الموظف إلى مرحلة أشد خطورة، ز وطالب بتقديم مستند يثبت أن الشقة وحدة سكنية وليست إدارية، مع تهديد صريح: إما إثبات ذلك، أو سيتم تقدير الضريبة اعتباراً بأن الشقة إدارية وبثمن افتراضي قدره 10 ملايين جنيه، لتصبح الضريبة المستحقة 250 ألف جنيه.
تقدير جزافي
أمام هذا التقدير الجزافي المنافي لأبسط القواعد القانونية، دار نقاش حاد بين المحامي وبين الموظف المسؤول، حيث أكد له الأول أن الضريبة تُفرض على الثمن الفعلي المدون في عقد البيع، وليس على التكهنات أو التقديرات الفردية، وأنه لا يجوز للموظف إعادة تقييم ثمن البيع من تلقاء نفسه دون سند قانوني أو قرار لجان طعن مختصة.
لكن الجدال القانوني والموضوعي اصطدم بإنهاء الموظف للحوار بعبارة مستفزة تختصر الأزمة: "هو كدة.. وإن كان عاجب"
وقرر عمر هريدي استخدام أدواته القانونية، حيث غادر المصلحة متجها إلى مكتب المحضرين، لعمل إنذار عرض رسمي بقيمة الضريبة القانونية المستحقة، 175 ألف جنيه، لإثبات حسن النية والتزامه بالمدد القانونية.
كما قرر تقديم شكوى عبر منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة بمجلس الوزراء، لإحالة الواقعة للتحقيق والتصدي لهذه التصرفات.
وتطرح هذه الواقعة أسئلة على وزير المالية، ورئيس مصلحة الضرائب: إذا كان هذا ما يحدث مع محام يعلم حقوقه ويتسلح بالقانون، فكيف يتعامل هؤلاء الموظفون مع المواطن البسيط الذي يجهل الإجراءات الإدارية؟ ومتى تنتهي نغمة «هو كدة» من القاموس الإداري للمؤسسات الحكومية، ليحل محلها سيادة القانون والتيسير على الخزانة العامة والمواطن على حد سواء؟ ومازلنا في انتظار رد رسمي من مصلحة الضرائب حول الإجراءات المتخذة للحد من التقديرات الجزافية وتعديل سلوكيات التعامل مع المتعاملين مع المصلحة.









