في مشهد سياسي معقد تتشابك فيه المصالح الإقليمية والدولية، يبرز سؤال يستحق التفكير، ألا وهو: هل كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هو من ألقى بإسرائيل تحت عجلات حافلة السياسة التي كان يقودها بنفسه، أم أن بنيامين نتنياهو اختار طواعية طريق الانتحار السياسي؟ وبينما تبحث الأوساط الإسرائيلية عن إجابات، يجد المراقب العربي نفسه أمام مشهد يستحق التأمل العميق، حيث تتكشف تناقضات الكيان الإسرائيلي على نحو لم يسبق له مثيل.
إن المفارقة التي تلفت الانتباه هي أن الرجل الذي بنى سمعته السياسية على خطاب التحدي والمواجهة لإيران، والذي جعل من ملفها النووي عنوانًا رئيسيًا لوجوده السياسي، هو نفسه من ساهم في تقويض قدرات كيانه على مواجهة هذا الملف في اللحظة الحاسمة، فنتنياهو، الذي راهن على استراتيجية الضغط والتهديد، وجد نفسه فجأة بلا أوراق رابحة عندما تحولت المسرحيات السياسية إلى واقع ملموس.
كتب تسفي بارئيل، محلل شؤون الشرق الأوسط في صحيفة هآرتس، أن جيش الحرب الإسرائيلي يستند في مواجهة أي اتفاق مع إيران إلى ثلاثة أعمدة جوهرية: معلومات استخباراتية موثوقة، تعاون كامل مع الولايات المتحدة، حرية عمل عسكرية، غير أن نتنياهو، في سعيه المحموم للبقاء السياسي، قام بتحطيم هذه الأعمدة واحدًا تلو الآخر، تاركًا إسرائيل في موقف لم تشهد له مثيلًا منذ عقود.
• العمود الأول: الاستخبارات والثقة المهشمة، لطالما كانت الاستخبارات الإسرائيلية ورقة الضغط الأقوى في المواجهة مع إيران، ولكن هذه الورقة فقدت بريقها عندما تحولت إلى أداة في الصراعات السياسية الداخلية لـنتنياهو، فمنذ خطابه الشهير في الكونجرس عام 2015 ضد إدارة أوباما، مرورًا بإدارته الظهر للعلاقات مع إدارة بايدن، وصولًا إلى إدارة ترامب التي فضلت التفاوض مع إيران متجاهلةً نتنياهو، أصبح واضحًا أن السياسة الإسرائيلية فقدت بوصلتها.
يقول تسفي بارئيل: "إن إلقاء المعلومات الاستخباراتية في ساحة التجاذبات السياسية الداخلية الأمريكية يحولها من أداة للتعاون الاستراتيجي إلى سلاح ذي حدين"، فكيف يمكن لواشنطن أن تثق بمعلومات من رجل راهن على إسقاط النظام الإيراني "في لمح البصر" وفشل؟ وكيف يمكن للولايات المتحدة أن تأخذ بجدية تحذيرات من سياسي أثبت، بالتجربة، أنه يضع مصالحه الحزبية فوق الاعتبارات الاستراتيجية المشتركة؟
• العمود الثاني: التعاون العسكري في مهب الريح، يشكل التعاون العسكري بين إسرائيل والولايات المتحدة العمود الفقري للتفوق الإسرائيلي في المنطقة. ولكن هذا التعاون، كما تؤكد الأحداث، ليس مجرد صفقات أسلحة، بل منظومة متكاملة من التنسيق اللوجستي، وتبادل المعلومات، والدعم السياسي، وهذا ما تعرض للتآكل بسبب سياسات نتنياهو.
فالانتهاكات المتواصلة في الأراضي الفلسطينية، إلى جانب تقويض أسس الديمقراطية داخل إسرائيل، لم تعد مجرد قضايا أخلاقية يمكن تجاوزها، بل تحولت إلى عائق سياسي يحول دون أي تعاون عسكري جاد، حتى إدارة ترامب، التي اتهمها البعض بالميل المفرط لإسرائيل، وجدت نفسها في موقف حرج سياسيًا أمام الرأي العام الأمريكي، الذي يرى في سياسات نتنياهو تحديًا للقيم الأمريكية الأساسية.
• العمود الثالث: حرية العمل العسكري بين النظرية والتطبيق، ربما يكون هذا العمود الأكثر تضررًا، فحرية العمل العسكري الإسرائيلي، في غياب الدعم الأمريكي والإقليمي، ليست سوى مقامرة انتحارية، فإسرائيل، التي بنت قوتها الردعية على فكرة القدرة على التحرك منفردة، وجدت نفسها في عزلة سياسية غير مسبوقة.
إن أي تحرك عسكري إسرائيلي ضد المنشآت الإيرانية دون تنسيق أمريكي، وفي ظل علاقات متوترة مع واشنطن، سيكون بمثابة مغامرة غير محسوبة العواقب، فالمنطقة تغيرت، والمعادلات تبدلت، ولم تعد إسرائيل تمتلك ذلك الظهير الدولي الذي كانت تعتمد عليه في مغامراتها السابقة.
لقد راهن نتنياهو على استراتيجية "العدو الأكبر" (إيران) لتوحيد الصفوف الداخلية وتجاوز الأزمات، لكنه انتهى به المطاف إلى تقويض القدرات الإسرائيلية في مواجهة هذا العدو نفسه، وهذا ليس درسًا في الفشل السياسي فحسب، بل هو دليل على أن السياسات القائمة على التهويل والوعود الفارغة لا يمكنها الصمود طويلًا عندما يحين وقت الجد.
ثمة ثلاث استنتاجات رئيسية يمكن استخلاصها: أولًا: إن اعتماد إسرائيل المفرط على العلاقات الخاصة مع واشنطن جعل الكيان عرضة للاهتزاز مع أي تغير في الإدارة الأمريكية أو في أولوياتها، ثانيًا: أثبتت تجربة نتنياهو أنه ضحى بعلاقات إسرائيل مع أقوى حلفائها في سبيل البقاء في سدة الحكم، ثالثًا: إن المنطقة العربية، التي كانت وما زالت تدفع ثمن الصراع الإسرائيلي الإيراني، يجب أن تنظر إلى هذا المشهد بعين الاعتبار، وأن تدرك أن تحالفاتها الاستراتيجية يجب أن تقوم على أسس راسخة من المصالح المشتركة، لا على الرهانات الشخصية أو الحسابات الضيقة.
السياسة الإسرائيلية
في النهاية، يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ستعيد إسرائيل حساباتها بعد نتنياهو، أم أن السياسة الإسرائيلية ستواصل نهجها في المزايدة والتهويل؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تحمل تداعيات مهمة على مستقبل المنطقة برمتها.
ما حدث ليس مجرد فشل فردي لسياسي أفرط في الثقة بنفسه، بل هو أزمة كبيرة لليمين الإسرائيلي في التعامل مع الملفات المصيرية. ومن المفارقات اللافتة أن الرجل الذي بنى سمعته على أنه "السيد الأمن" قد يكون هو من ترك إسرائيل في أكثر لحظاتها ضعفًا، من دون الأدوات اللازمة للتعامل مع تداعيات فشله السياسي.
لكن، كما تقول الحكمة السياسية، في الشرق الأوسط تنتهي الدراما دائمًا بمفاجآت جديدة. وربما يكون الدرس الأهم الذي يقدمه هذا المشهد هو أن السياسة الإسرائيلية التي قامت على الخطاب المتشنج والمواقف المتصلبة، مهما بدت قوية، فإن مصيرها في النهاية أن تنكسر على صخرة الواقع المعقد.



