و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

لم يكن استهداف فنزويلا في هذا التوقيت مجرد صدفة في روزنامة الصراعات الدولية، ولا نوبة غضب عابرة من واشنطن تجاه نظام نيكولاس مادورو، بل جاء تتويجًا لمسار طويل من التجفيف المنهجي لمصادر القوة، وتحويل دولة كانت تُعد “بندقية صغيرة" في خاصرة النفوذ الأميركي إلى سلاح بلا ذخيرة، تمهيدًا للقبض السياسي على النظام دون الحاجة إلى إطلاق رصاصة واحدة.
فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، لم تكن يومًا دولة هامشية في الحسابات الأميركية. بل على العكس، شكّلت لعقود نموذجًا خطيرًا: دولة نفطية في أميركا اللاتينية تجرأت على الخروج من العباءة الأميركية، وتحالفت مع خصوم واشنطن، ورفعت شعارات السيادة الاقتصادية والتحرر من هيمنة الدولار. هذا وحده كان كافيًا لوضعها في خانة “الأهداف المؤجلة”.
من البندقية إلى العزلة: مرحلة نزع الشرعية
المرحلة الأولى في تفريغ “البندقية الفنزويلية” لم تكن اقتصادية، بل سياسية – رمزية. بدأت عبر نزع الشرعية الدولية عن النظام، والتشكيك المستمر في نزاهة الانتخابات، وتصوير مادورو بوصفه “ديكتاتورًا معزولًا” لا يمثل شعبه. لم يكن الهدف إسقاط النظام فورًا، بل عزله أخلاقيًا وسياسيًا، وتجفيف أي تعاطف دولي يمكن أن يتحول لاحقًا إلى دعم فعلي.
في هذا السياق، جرى توظيف منظمات دولية، ومنصات إعلامية كبرى، وحتى شخصيات معارضة مصنوعة بعناية، لخلق سردية واحدة: فنزويلا دولة فاشلة، ونظامها فاقد للأهلية. كانت هذه السردية هي الطلقة الأولى، لكنها طلقة في الوعي، لا في الميدان.
العقوبات: تفريغ الرصاص دون ضجيج
بعد نزع الشرعية، انتقلت واشنطن إلى السلاح الأكثر فتكًا: العقوبات الاقتصادية الذكية. لم تكن عقوبات عشوائية، بل مصممة بدقة لتضرب شرايين الدولة: النفط، البنوك، التحويلات، وقطع الغيار، وحتى القدرة على بيع الخام أو تحصيل عوائده.
بهذه العقوبات، جرى تفريغ “الرصاص” الحقيقي: المال، القدرة على الحركة، هامش المناورة. تحولت فنزويلا تدريجيًا من دولة تمتلك أوراق ضغط إلى دولة تدافع عن الحد الأدنى من البقاء الاقتصادي. ومع كل أزمة معيشية، كان النظام يُستنزف داخليًا، وتُستنزف شرعيته شعبيًا، دون أن تتحمل واشنطن كلفة التدخل العسكري أو الفوضى المباشرة.
تحييد الحلفاء: كسر الطوق الاستراتيجي
لم تكتفِ الولايات المتحدة بخنق فنزويلا من الداخل، بل عملت على تحييد أو إنهاك حلفائها. فالعلاقة مع روسيا والصين وإيران، رغم أهميتها الرمزية، ظلت محدودة القدرة على إنقاذ الاقتصاد الفنزويلي من العزلة المالية العالمية. فالدول الكبرى قد تشتري النفط أو تقدم دعمًا سياسيًا، لكنها لا تستطيع كسر نظام الدولار أو فتح قنوات مالية واسعة دون دفع أثمان كبرى.
هكذا، تحولت تحالفات مادورو إلى درع سياسي لا إلى سلاح فعلي. تحالفات تمنع السقوط السريع، لكنها لا تمنح القدرة على الهجوم أو الرد.
اللحظة الدولية: لماذا الآن؟
السؤال الجوهري ليس: لماذا فنزويلا؟ بل لماذا الآن؟
الإجابة تكمن في السياق الدولي الأوسع: عالم مضطرب، أسعار طاقة متقلبة، حرب أوكرانيا، وصراع مفتوح مع روسيا والصين. في هذا المشهد، تحتاج واشنطن إلى ضبط ساحتها الخلفية في أميركا اللاتينية، ومنع أي نموذج متمرد من إعادة إنتاج نفسه.
كما أن النفط الفنزويلي، في لحظة اختلال أسواق الطاقة، بات ورقة قابلة للتوظيف: إما عبر إعادة إدماج مشروط للنظام، أو عبر الضغط لفرض انتقال سياسي يُعيد النفط إلى المنظومة الغربية بشروط جديدة.


القبض دون إسقاط: النموذج الأميركي المفضل
ما يحدث في فنزويلا ليس إسقاطًا كلاسيكيًا للأنظمة، بل قبض سياسي بطيء. إبقاء النظام قائمًا، لكنه منزوع المخالب، محدود الخيارات، محاصر القرار. هذا النموذج أقل كلفة، وأكثر استدامة، ويجنب واشنطن فوضى ما بعد السقوط التي خبرتها في العراق وليبيا.
فمادورو اليوم ليس خطرًا، بل نظامًا تحت السيطرة، يمكن الضغط عليه، التفاوض معه، أو حتى استخدامه مرحليًا، طالما أن “البندقية” قد فُرغت من رصاصها.


الخلاصة: درس فنزويلا


فنزويلا تقدم درسًا قاسيًا للدول التي تظن أن امتلاك الموارد أو رفع الشعارات يكفي لمواجهة القوى الكبرى. فالصراعات الحديثة لا تُحسم بالدبابات فقط، بل بالعقوبات، والسرديات، والتحكم في النظام المالي العالمي.
لقد جرى تفريغ فنزويلا من الرصاص قبل التفكير في إسقاط مادورو، لأن الهدف لم يكن الانفجار، بل الخضوع الصامت. وهنا تكمن خطورة النموذج: أن تسقط الدولة وهي واقفة، وأن تُهزم دون أن تُهزم رسميًا.

تم نسخ الرابط