و الأخيرة

رئيس مجلس الإدارة
أحمد عصام فهمي
رئيس التحرير
محمود الضبع
موقع الصفحة الأولى

لم يكن الجدل المثار حول مسلسل «رأس الأفعى» مفاجئًا في سياق متابعة أنماط التفاعل الإخواني مع الأعمال الدرامية الوطنية، فالتنظيم، تاريخيًا، يُظهر حساسية مفرطة تجاه أي إنتاج فني يقترب من بنيته الداخلية أو يعيد قراءة تاريخه بعيدًا عن سرديته الدعائية، ومن ثم، فإن حالة الغضب الراهنة لا يمكن فهمها بوصفها اعتراضًا عابرًا على معالجة درامية، بل باعتبارها استجابة متوقعة لعمل يلامس البنية العميقة لتنظيم شديد الانغلاق.

المسلسل لا يكتفي بسرد أحداث، بل يعيد تفكيك أنماط القيادة وآليات اتخاذ القرار داخل الجماعة، ويقدم صورة درامية تستند إلى وقائع موثقة، وهو ما يضع المشاهد أمام قراءة مختلفة لطبيعة التنظيم وأدواته، هنا تحديدًا تكمن حساسية العمل؛ إذ تنتقل المعرفة من نطاق الدراسات المتخصصة إلى المجال العام بلغة فنية مؤثرة، قادرة على إعادة تشكيل الإدراك الجمعي.

من الاعتراض الفني إلى السلوك الدفاعي المنهجي

الهجوم على «رأس الأفعى» لا يعكس اختلافًا حول رؤية إخراجية أو معالجة درامية، بل يكشف عن إدراك عميق لدى الجماعة بأن الفن أحد أكثر أدوات التأثير فاعلية في تشكيل الوعي، لذلك، يتحول التفاعل إلى سلوك دفاعي منظم، يهدف إلى نقل النقاش من مضمون الوقائع إلى التشكيك في العمل ذاته.

يظهر ذلك من خلال الطعن المنهجي في الدقة التاريخية، ومحاولة تصوير العمل باعتباره أداة سياسية، وتضخيم ردود الفعل عبر المنصات الرقمية لصناعة انطباع بوجود رفض شعبي واسع، كما يُسعى إلى ربط المسلسل بسياقات اقتصادية أو اجتماعية لا صلة مباشرة لها بالمحتوى، في محاولة لتحويل زاوية النظر وإضعاف الأثر المعرفي للعمل.

هذه الآليات ليست جديدة، بل تمثل نمطًا متكررًا في إدارة الخطاب الإخواني حين يتعرض التنظيم لكشف علني يمس صورته الرمزية أو بنيته التنظيمية.

«رأس الأفعى» واستدعاء الذاكرة الجمعية

ليست هذه السابقة الأولى، فقد شهدت أعمال درامية سابقة، تناولت المواجهة مع الإرهاب، موجات مماثلة من التشكيك والهجوم، ما يؤكد أن المسألة تتجاوز حدود عمل بعينه إلى ما يمكن تسميته بـ«معركة السرد».

التنظيم يدرك أن تراكم الأعمال التي تعيد قراءة تاريخه بلغة مبسطة وموثقة يمثل تهديدًا استراتيجيًا لروايته التقليدية، فكل عمل ناجح يضيف طبقة جديدة إلى الذاكرة الجمعية، ويقلص المساحة المتاحة لإعادة إنتاج خطاب المظلومية أو الانتقائية في عرض الأحداث.

ومن هنا يمكن فهم حدة التفاعل؛ فالمشكلة بالنسبة إلى التنظيم ليست في مسلسل واحد، بل في تراكم سردي يعيد ترتيب أولويات النقاش العام استنادًا إلى الوقائع، لا إلى الشعارات.

بين الفن والأمن المعرفي

مسلسل «رأس الأفعى» لا يندرج فقط ضمن الأعمال الفنية، بل يمكن قراءته بوصفه جزءًا من منظومة القوة الناعمة التي تسهم في تعزيز ما يمكن تسميته بـ«الأمن المعرفي» للمجتمع؛ أي حماية الوعي العام من إعادة تدوير السرديات الانتقائية أو محاولات إعادة التجميل السياسي للتاريخ.

والمفارقة اللافتة أن حدة رد الفعل الإخواني أسهمت في توسيع دائرة الاهتمام بالمسلسل، ودفع شرائح أوسع من الجمهور إلى متابعته بدافع الفضول أو التحقق، ما انعكس في حالة تفاعل جماهيري ملحوظة عززت من حضوره وتأثيره.

في المحصلة، فإن الغضب الإخواني لا يعبر عن قوة موقف بقدر ما يكشف عن قلق بنيوي من فقدان القدرة على احتكار السرد التاريخي، ومع كل عمل يعيد تفكيك البنية المغلقة للتنظيم أمام الجمهور، تتسع مساحة الوعي النقدي، ويتراجع هامش المناورة الدعائية.

تم نسخ الرابط